انتحار سياسي أم معركة استقلال؟ كيف يحوّل عيدروس الزبيدي الجنوب إلى ورقة تفاوض إقليمية خطرة
عيدروس الزبيدي يواجه في الأشهر الأخيرة واحدة من أعقد اللحظات في مسيرته السياسية، بين تمدد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي شرقًا في حضرموت والمهرة، وتصاعد اتهامات لخصومه بأنه يدفع بالمجلس إلى “انتحار سياسي” خدمةً لحسابات ضيقة، في وقت يزداد فيه الضغط الإقليمي والدولي لإعادة صياغة المشهد اليمني على أسس جديدة.
وفيما يحاول الرجل تقديم قراراته كجزء من “استحقاق جنوبي” وحق قانوني داخل مجلس القيادة الرئاسي، تتنامى شكوك داخل أوساط يمنية وخليجية حول كلفة هذا المسار على استقرار الجنوب وعلى مستقبل التسوية في اليمن ككل.
من قائد ميداني إلى مركز السلطة
عيدروس قاسم الزبيدي صعد إلى واجهة المشهد الجنوبي بعد دوره العسكري في صد هجوم الحوثيين على الضالع ثم عدن عام 2015، قبل أن يُعيَّن محافظًا للعاصمة المؤقتة عدن ويقدّم نفسه كقائد أمني قادر على فرض الاستقرار.
غير أن إقالته من منصبه في 2017 مهّدت لتحوّل نوعي؛ فبعد شهر واحد فقط أعلن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، لينتقل من مسؤول محلي إلى زعيم مشروع سياسي يسعى لفصل الجنوب واستعادة دولة اليمن الجنوبي السابقة.
لاحقًا، حصل الزبيدي على موقع رسمي داخل السلطة عبر تعيينه نائبًا لرئيس مجلس القيادة الرئاسي في 2022، جامعًا بين قيادة كيان انفصالي وبين شراكة في مؤسسة يفترض أنها تمثل “وحدة اليمن”، وهو تناقض استثمره خصومه للتشكيك في نوايا المجلس الانتقالي وأجندة داعميه الإقليميين.
هذا التداخل بين “خطاب القضية الجنوبية” و”مناصب السلطة المركزية” سيصبح لاحقًا محورًا لمعظم الانتقادات التي تطارد الرجل اليوم.
قرارات مثيرة وضغوط داخلية متصاعدة
في الأشهر الماضية، كشف الزبيدي عن حزمة من القرارات السياسية والإدارية التي قال إنها تستهدف “تفعيـل الحوكمة” وإنهاء ترهل مؤسسات الدولة وعجز مجلس القيادة الرئاسي عن صناعة التوافقات.
أوضح أنه اتخذ 11 قرارًا معلنًا، إضافة إلى قرارات أخرى “لم يُعلن عنها لكنها نُفذت على الأرض”، مؤكدًا أن هذه الخطوات تمثل استحقاقًا للمجلس الانتقالي وحقًا قانونيًا ودستوريًا داخل بنية المجلس الرئاسي.
غير أن حجم الضجة التي أثارتها تلك القرارات عكس حجم الانقسام حولها؛ فخصوم الزبيدي اتهموه بالانفراد في صناعة القرار، واستغلال موقعه في المجلس الرئاسي لفرض وقائع جنوبية أحادية تهمّش بقية القوى اليمنية.
كما ظهرت ردود فعل معترضة من قوى ترى أن الانتقالي يستخدم مؤسسات الدولة كغطاء لترتيبات ميدانية تصب في صالح مشروع الانفصال أكثر مما تخدم الإصلاح الإداري أو الاقتصادي.
حضرموت والمهرة… تمدد انتقالي واتهامات “انتحار سياسي”في نهاية 2025، كان التوسع العسكري والسياسي للمجلس الانتقالي في الشرق هو العنوان الأبرز في ملف الزبيدي.
قوات تابعة للمجلس، المدعوم إماراتيًا، سيطرت على حضرموت والمهرة وأزاحت قوات قبلية ووحدات للجيش مرتبطة بالمنطقة العسكرية الأولى، ما جعل الانتقالي يقترب من السيطرة على معظم أراضي دولة الجنوب السابقة، بما في ذلك أهم حقول النفط.
الانتقالي وصف عملية “المستقبل الواعد” في وادي حضرموت بأنها جاءت بعد استنفاد كل الخيارات لإعادة الاستقرار وإنهاء الانفلات الأمني ومواجهة نشاط تنظيمات متطرفة وشبكات تهريب مرتبطة بالحوثيين، مؤكدًا أن تحرك قواته استجابة لدعوات أبناء المنطقة وحقّ الجنوبيين في حماية أراضيهم.
لكن أصواتًا إعلامية خليجية ويمنية رأت في هذا التمدد “مغامرة” تدفع المجلس نحو استنزاف سياسي وعسكري، بل وصل وصف أحد الصحفيين إلى أن الزبيدي يدفع المجلس الانتقالي إلى “انتحار سياسي” بسبب حسابات شخصية وضيقة، في إشارة إلى توتر علاقاته مع بعض شركائه الإقليميين وحساسيات التوازن بين الرياض وأبوظبي.
حسابات إقليمية ومستقبل ملتبس
تحليل الموقف الإقليمي يشي بأن تحركات الزبيدي لا تنفصل عن حسابات الإمارات والسعودية في جنوب اليمن، حيث تسعى أبوظبي وفق تقديرات بحثية إلى ضمان نفوذ حقيقي لحلفائها، وعلى رأسهم المجلس الانتقالي، ضمن أي تسوية قادمة، مقابل تفاهمات مع الرياض حول شكل الوجود العسكري وتقاسم النفوذ في حضرموت والمهرة.
في المقابل، قد تُضغط أبوظبي على الانتقالي لسحب قواته الثقيلة واستبدالها بقوات محلية أقل تسليحًا، مع القبول بصيغة نفوذ مشترك مع السعودية، ما يضع الزبيدي أمام معادلة صعبة بين إرضاء الحليف الإقليمي والحفاظ على صورة “زعيم القضية الجنوبية” أمام قاعدته.
إذا فشلت هذه التفاهمات، تطرح بعض السيناريوهات اتجاهًا نحو خطوات أحادية مثل فرض إدارة ذاتية في الجنوب أو تشكيل حكومة جنوبية مصغرة، وهي خيارات قد تراها الإمارات أوراق ضغط تفاوضية، بينما ينظر إليها الزبيدي وأنصاره كمسار استراتيجي نحو تحقيق هدف الانفصال.
غير أن المضي في هذا الطريق، مع استمرار الحرب مع الحوثيين والأزمة الاقتصادية الخانقة، يعني أن الرجل يغامر بتحويل الجنوب إلى ساحة استنزاف مفتوح، ويجازف بتحويل مشروعه من “قضية تحرر” إلى عبء أمني وسياسي على سكان المحافظات الجنوبية نفسها.
بهذه المعطيات، يتحرك عيدروس الزبيدي اليوم على حافة خط رفيع: بين زعيم جنوبي يرى نفسه حارسًا لحلم دولة فقدت قبل عقود، وبين سياسي تتزايد حوله الاتهامات بأنه يوظف هذا الحلم في لعبة نفوذ معقدة، قد تنتهي إلى تكريس واقع انفصال de facto… أو إلى “انتحار سياسي” مبكر للمجلس الانتقالي إذا انقلبت موازين القوى الإقليمية والدولية في لحظة واحدة.








