من باب المندب إلى خليج عدن.. دولتان في اليمن ودولتان في الصومال وبحر واحد مهدد بالتدويل الكامل
انقسام الصومال فعليًا بين دولة مركزية ضعيفة في مقديشو وكيان “أرض الصومال” شبه المستقل في الشمال، بالتوازي مع دخول اليمن في مسار انفصال جنوبي معلَن باتجاه “دولتين”، يعمّق حالة الهشاشة الأمنية في البحر الأحمر الذي يعيش أصلًا على وقع هجمات الحوثيين وتنافس القوى الإقليمية والدولية على ممر باب المندب.
هذا التفكيك المحتمل لجبهتي الصومال واليمن يعني عمليًا تعدد الفاعلين على ضفتي الممر البحري، وتباين المرجعيات السياسية والعسكرية، بما يفاقم مخاطر القرصنة، ويزيد احتمالات تحويل البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة للنفوذ الأجنبي والقواعد العسكرية والتدخل في حركة السفن التجارية وناقلات النفط.
صومال منقسم ويمن على عتبة الانفصال
منذ سنوات، يعيش الصومال حالة “تقسيم فعلي” بين حكومة فيدرالية معترف بها دوليًا في مقديشو وإقليم “أرض الصومال” الذي أعلن نفسه دولة مستقلة منذ 1991، ويُدار اليوم ككيان أمر واقع رغم رفض الحكومة الصومالية والمجتمع الدولي الاعتراف الكامل به.
الاعتراف الإسرائيلي الأخير بـ“أرض الصومال” كدولة مستقلة، وما تبعه من رفض حاد من قبل البرلمان والرئاسة الصومالية الذين أكدوا أن وحدة الأراضي الصومالية غير قابلة للتجزئة، أعاد فتح ملف التفكيك في القرن الإفريقي على تماس مباشر مع البحر الأحمر وخليج عدن.
في المقابل، يدخل اليمن مرحلة جديدة مع إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي بدء “مرحلة انتقالية” مدتها عامان تمهيدًا لاستعادة دولة الجنوب، وتحديد موعد لإعلان دستوري خلال 2028، ما يعني فعليًا التأسيس لفكرة دولتين: شمالية تحت ثقل الحوثيين وسلطات أخرى، وجنوبية تحت نفوذ الانتقالي وحلفائه.
دراسات استراتيجية حذّرت من أن تفكيك اليمن بهذه الصورة لا يُبقيه مجرد ساحة صراع داخلي، بل يحوّله إلى مرآة مستدامة لأزمة أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
الملاحة بين تعدد اللاعبين وخطر “التدويل”تحذّر تحليلات متخصصة من أن تحويل اليمن إلى دولتين، مع تكريس أمر واقع لانقسام الصومال، يعني أن السفن العابرة للبحر الأحمر ستتعامل مع أكثر من سلطة على شواطئ ذاتها، بعضها هش وبعضها مسيّس من قوى إقليمية ودولية.
هذا التعدد يفتح الباب أمام سيناريوهات متشابكة:كيانات انفصالية قد تستخدم الموانئ والضرائب البحرية كورقة تفاوض سياسية، أو كمصدر تمويل في ظل ضعف الموارد التقليدية.
حركات مسلحة أو جماعات متطرفة تجد في الفراغ الأمني مجالًا للعودة إلى أنماط من القرصنة وابتزاز السفن، كما حدث في ذروة القرصنة الصومالية قبل عقد ونصف.
الأوضاع الحالية في البحر الأحمر أظهرت بالفعل هشاشة الملاحة؛ فالهجمات الحوثية على السفن المرتبطة بإسرائيل وحلفائها، بعد حرب غزة، أدت إلى انخفاض حاد في مرور الحاويات عبر البحر الأحمر وقناة السويس، واضطرت شركات كبرى للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بتكلفة أعلى وزمن أطول.
في حال تحوّل الانقسام اليمني والصومالي إلى واقع قانوني وسياسي، ستزداد دوافع القوى الكبرى لتكثيف وجودها العسكري والاستخباري بذريعة “تأمين الملاحة الدولية”، وهو ما يُسرّع عملية تدويل الممر بالكامل على حساب الدور العربي.
أمن البحر الأحمر ومعادلة القوى غير العربية
تحليل صادر عن مراكز بحث عربية يربط بين تفكيك اليمن والاعتراف بـ“أرض الصومال” وبين محاولة “فتح البحر الأحمر أمام قوى غير عربية” وإضعاف منظومة الردع الإقليمي.
جنوب اليمن المنفصل يُنظر إليه كبيئة محتملة لاختراق أمني غير مباشر، وتوسيع للنفوذ البحري الإسرائيلي أو لقوى أخرى، سواء عبر اتفاقات قواعد أو تسهيلات لوجستية أو ترتيبات استخباراتية مع أنظمة هشة تبحث عن حماية خارجية.
على الضفة الإفريقية، تحوّلت جيبوتي بالفعل إلى مركز مكتظ بالقواعد الدولية، من أمريكا إلى الصين وفرنسا، في حين تزداد الأطماع في موانئ إريتريا وسواحل السودان والصومال، بما في ذلك “أرض الصومال” ذاتها التي دخلت في صفقات واستثمارات موانئ مع أطراف إقليمية كبرى.
توسع هذه الخارطة، مع غياب دولة صومالية موحدة ويمن مستقر، يخلق فراغًا تملؤه قواعد وسفن حربية أجنبية أكثر من حضور بحريات الدول العربية المطلة على البحر.
الأمن الداخلي للدول المطلة وثمن التفكك
توضح الدراسات أن تفكيك اليمن والصومال لا يهدد فقط خطوط الشحن العالمية، بل ينعكس مباشرة على أمن الدول العربية والأفريقية المطلة، من مصر والسعودية إلى السودان وجيبوتي وإريتريا.
بالنسبة لمصر، تراجع مرور السفن في البحر الأحمر وقناة السويس خلال الأزمات الأخيرة أدى إلى خسائر ملموسة في الإيرادات، ما يجعل أي تصعيد جديد مرتبط بتفكك الدول الساحلية تهديدًا إضافيًا للاقتصاد القومي.
كما أن تعدد الكيانات على الشواطئ يعني تعدد منافذ التهريب والسلاح والهجرة غير النظامية، وتزايد احتمالات انتقال التوترات من البحر إلى الداخل عبر شبكات عابرة للحدود، في وقت تعاني فيه المنطقة أصلًا من هشاشة اجتماعية واقتصادية.
هكذا، يتحول البحر الأحمر من “ممر تجاري” إلى “خط جبهة مفتوح”، يدفع ثمنه المواطن في الدول المطلة عبر ارتفاع أسعار السلع، وتزايد مخاطر الأمن اليومي، وتراجع قدرة الحكومات على التحكم في حدودها البحرية.










