عاصفة قطبية فوق قارة مُنهكة: شلل في النقل وفواتير طاقة مشتعلة تحت جليد أوروبا
تشهد أوروبا في مطلع عام 2026 موجة برد قارس تُعيد إلى الأذهان أقسى مشاهد الشتاء، بعد اندفاع كتلة قطبية شديدة البرودة أدت إلى شلل واسع في حركة النقل، وارتفاع مخاطر انقطاع الكهرباء، وتحذيرات صحية من تهديد مباشر لحياة الفئات الأكثر هشاشة في عدد من الدول الأوروبية.
ومع تزامن العواصف الثلجية مع اضطراب التيار النفاث وضعف الدوامة القطبية، بدا المشهد الشتوي أكثر قسوة، خاصة في شمال ووسط القارة، حيث تنخفض الحرارة عن معدلاتها الطبيعية بعشر إلى خمس عشرة درجة مئوية وتتراكم الثلوج على الطرق والسكك الحديدية والمطارات.
خريطة موجة البرد الحالية
تُظهر الخرائط الجوية اندفاع هواء قطبي شديد البرودة من الدائرة القطبية نحو وسط وجنوب أوروبا، مع تسجيل انحرافات حادة عن المعدل المناخي بلغت 10 إلى 15 درجة مئوية أقل من المعتاد في دول مثل بولندا وألمانيا والتشيك والمجر، وامتداد البرودة حتى فرنسا وإسبانيا والبحر المتوسط.
هذه الكتلة الباردة ترتبط بنمط جوي استثنائي يتمثل في اضطراب الدوامة القطبية وسلبية تذبذب شمال الأطلسي، ما سمح للهواء القطبي بالانفلات جنوبًا والتزامن مع رطوبة جوية وفيرة شكلت أرضية مثالية لعواصف ثلجية كثيفة.
وفي اسكندنافيا، دفعت درجات حرارة شديدة الانخفاض وعواصف شتوية عنيفة السلطات إلى إطلاق تحذيرات من “خطر على الحياة” وإعلان حالة الاستنفار في خدمات الطوارئ، مع تسجيل درجات وصلت إلى ما يقرب من 40 درجة مئوية تحت الصفر في بعض المناطق خلال موجات البرد الأخيرة، ما جعل أي انقطاع في التدفئة أو الكهرباء تهديدًا مباشرًا للسكان.
أما في المملكة المتحدة، فقد تحولت الخرائط الجوية إلى ما يشبه “بقعة أرجوانية” من شدة البرودة، مع توقعات بأجواء قطبية وانخفاض الحرارة إلى ما دون 12 درجة تحت الصفر في بعض الفترات خلال يناير.
شلل في النقل وانقطاع للخدمات
تأثرت شبكات النقل في أوروبا بشدة؛ إذ حذرت هيئات الأرصاد في بريطانيا من أن الثلوج الكثيفة والجليد قد تتسبب في تأخيرات كبيرة للرحلات، واحتجاز سيارات على الطرق، وإمكانية انقطاع الكهرباء وخدمات الهاتف المحمول عن بعض المناطق الريفية المعزولة.
في المملكة المتحدة وويلز واسكتلندا، صدرت تحذيرات “كهرمانية” من الثلوج والجليد، ما يعني خطرًا حقيقيًا على السلامة العامة، وإمكانية إغلاق بعض الطرق وعرقلة الحافلات والقطارات، وتوقف الحركة في مقاطع من الشبكة الحديدية.
وفي بولندا وأجزاء من وسط أوروبا، أظهرت تقارير ميدانية تجمّد الطرق السريعة وتحوّلها إلى ممرات خطرة، مع تأخر القطارات وإلغاء رحلات جوية في مطارات مثل وارسو مودلين بسبب العواصف الثلجية والضباب الجليدي، ما أدى إلى تكدس آلاف المسافرين وتعطل خطط السفر بين وارسو وعواصم مثل بروكسل ولشبونة ومالطا وميلانو.
كما شهدت المملكة المتحدة ودول الشمال اضطرابًا واسعًا في حركة النقل الجوي والبحري والبري تحت تأثير عاصفة “هنك” والعواصف اللاحقة، حيث تضررت السكك الحديدية بالفيضانات والثلوج، فيما عملت إدارات الطرق على نشر الجرافات والملّاحات لمحاولة إبقاء الطرق الرئيسية مفتوحة قدر الإمكان.
ضغوط على الطاقة وحياة الناسلم يقتصر تأثير البرد القارس على الشوارع والمطارات؛ فشبكات الكهرباء تعرضت لاختبارات قاسية مع ارتفاع الطلب على التدفئة وتزايد أعطال الخطوط بسبب الرياح والثلوج المتراكمة.
في بلدان الشمال، انقطع التيار الكهربائي عن عشرات الآلاف من المنازل بعد مرور عواصف شتوية قوية مثل العاصفة “يوهانِس” التي خلفت قتلى وأضرارًا كبيرة في البنية التحتية، واضطرت شركات الطاقة إلى تحريك فرق طوارئ للعمل في ظروف شديدة الخطورة لإعادة التيار.
تقارير علمية حديثة تشير إلى أن فترات البرد الشديد في شمال أوروبا أصبحت أقل تكرارًا لكنها عندما تحدث تكون صادمة ومربكة، حيث تضرب في سياق مجتمعات لم تعد تتوقع هذا المستوى من القسوة المناخية، ما يزيد من أثرها على الفئات الهشة مثل الفقراء وساكني المساكن الرديئة والعاملين في الهواء الطلق والمشرّدين.
هذه المجموعات تتحمل العبء الأكبر من موجات البرد، مع ارتفاع فواتير الطاقة، وصعوبة تدبير التدفئة، وخطر الإصابة بانخفاض حرارة الجسم، بينما ينعم آخرون بمشاهد “الشتاء المثالي” للتزلج والسياحة الشتوية في جبال الألب والمناطق الجبلية.
بين الاستعداد الرسمي وغضب الشارع
رغم أن أوروبا تُعد من أكثر مناطق العالم تجهيزًا للبنية التحتية الشتوية، إلا أن موجة البرد الحالية كشفت عن ثغرات واضحة في القدرة على الصمود، من ضعف بعض شبكات النقل والأسلاك الهوائية إلى هشاشة بعض الأحياء الفقيرة أمام أي انقطاع في الكهرباء أو تعطل التدفئة لساعات.
في الوقت نفسه، تعود إلى الواجهة ذكريات أزمات الطاقة التي عاشتها القارة خلال الأعوام الأخيرة، ويزداد القلق الشعبي من أن يؤدي أي ضغط إضافي على شبكات الغاز والكهرباء إلى ارتفاع جديد في الأسعار، بما يجعل “دفء البيت” رفاهية لا يقدر عليها الجميع.
وبينما تواصل الحكومات الأوروبية إصدار التحذيرات وتحديث خطط الطوارئ، يتنامى شعور في الشارع بأن الخطاب الرسمي لا يلتقي بالكامل مع واقع الناس الذين يواجهون البرد في شقق سيئة العزل ووظائف لا تسمح بالعمل عن بُعد ووسائل نقل متوقفة أو متعثرة.
ومع استمرار توقّعات بامتداد الطقس القطبي خلال جزء من يناير، تبدو أوروبا أمام اختبار حقيقي: هل تنجح في حماية مواطنيها من برد يكاد يشل حركة الحياة، أم تتكرر مشاهد الطرق المغلقة والبيوت المعتمة والغضب المتصاعد على سياسات طاقة وتهيئة لم تعد قادرة على مجاراة جنون الطقس؟










