أزمة فنزويلا مع الولايات المتحدة تتصاعد بعد هجمات كراكاس والقبض على مادورو وزوجته، مع التركيز على النفط والمعادن النادرة والأبعاد الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية للصراع الدولي.
كراكاس – 4 يناير 2026
استيقظت العاصمة الفنزويلية كراكاس على دوي انفجارات وهجمات جوية كثيفة، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ “عملية واسعة النطاق” ضد فنزويلا، أسفرت عن القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى خارج البلاد. هذه الخطوة جاءت بعد أشهر من التصعيد المتدرج بين واشنطن وكراكاس، منذ عودة ترامب للبيت الأبيض واتباعه سياسة الضغط القصوى على الحكومة الفنزويلية.
العلاقات التاريخية بين واشنطن وفنزويلا
ترتبط الولايات المتحدة وفنزويلا بعلاقات دبلوماسية منذ القرن التاسع عشر، حيث اعترفت واشنطن بفنزويلا رسميًا عام 1835. وشهدت العقود التالية تعاونًا تجاريًا وسياسيًا، بما في ذلك افتتاح أول قنصلية أمريكية في ماراكايبو عام 1824 وتوقيع معاهدة تجارية عام 1836.
مع اكتشاف النفط في القرن العشرين، تحولت فنزويلا إلى لاعب رئيسي في أسواق الطاقة العالمية، واستثمرت شركات أمريكية كبرى في قطاع النفط. لكن وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999 أدخل العلاقات في مرحلة توتر بسبب سياساته الاشتراكية وتأميمه للقطاعات الاقتصادية الكبرى، واستمر التوتر مع تولي مادورو السلطة، الذي لم تعترف واشنطن بشرعية حكومته، وفرضت عقوبات اقتصادية متتالية منذ عام 2015.
محطات التصعيد بين الطرفين
• يوليو 2024: رفضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نتائج الانتخابات الرئاسية الفنزويلية، مما دعم المعارضة وخلق فجوة شرعية بين واشنطن وكراكاس.
• أغسطس 2025: نشر ترامب قوات بحرية وجوية تشمل حاملتي طائرات وغواصات ومقاتلات F‑35 في البحر الكاريبي ضمن عملية “سوثيرن سبير”، في ما اعتبره مادورو تهديدًا مباشرًا للاقتصاد والسيادة الوطنية.
• سبتمبر 2025: أول ضربة بحرية أمريكية في البحر الكاريبي أودت بحياة 11 شخصًا، واعتبرت واشنطن الخطوة جزءًا من مكافحة تهريب المخدرات.
• نوفمبر 2025: صُنّفت منظمة “كارتل دي لو سوليس” إرهابية من قبل الولايات المتحدة، مع فرض قيود على المجال الجوي الفنزويلي، وتصاعدت التوترات الدبلوماسية والاقتصادية.
• ديسمبر 2025: فرضت واشنطن حصارًا بحريًا على ناقلات النفط الفنزويلية وفرضت عقوبات على شركات وشخصيات مقربة من مادورو، مع تنفيذ أول ضربة برية بطائرة دون طيار على مرفأ محمل بالمخدرات.
• يناير 2026: تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق، تخللتها هجمات جوية كثيفة، أدت إلى القبض على مادورو وزوجته، وإعلان محاكمته في الولايات المتحدة بتهم جنائية.
أسباب التصعيد: النفط والمعادن النادرة
تتركز الأسباب الاستراتيجية للأزمة حول حزام أورينوكو النفطي، الذي يعد واحدًا من أغنى مناطق العالم بالنفط الثقيل، حيث استُخدمت شركات كبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون. إضافة إلى النفط، تشمل الموارد الاستراتيجية الذهب، الألماس، الكولتان، النيكل، والعناصر الأرضية النادرة الحيوية للصناعات التكنولوجية، وهو ما يجعل فنزويلا هدفًا للصراعات الدولية على الموارد.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
تعاني فنزويلا من شلل اقتصادي حاد، حيث أدت العقوبات إلى انهيار قطاع النفط ونقص الغذاء والأدوية، بينما يعيش المواطنون تحت ضغوط معيشية كبيرة. الحكومة الفنزويلية، من جانبها، تواجه تحديًا مزدوجًا: إدارة الأزمات الداخلية وحماية الأمن القومي أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية الخارجية.
تداعيات التصعيد على الساحة الدولية
التوتر بين واشنطن وكراكاس له أبعاد دولية، حيث تراقب الصين وتركيا تحركات الطاقة والمعادن، فيما تبحث الولايات المتحدة عن تأمين موارد استراتيجية حيوية. التصعيد الأخير يعكس صراعًا على النفوذ في المنطقة ويطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة الفنزويلية على الصمود أمام الضغوط الخارجية والداخلية، ومستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد.
الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة وفنزويلا تمثل تصعيدًا غير مسبوق منذ عقود، يرتبط بالموارد الاستراتيجية والسيادة الوطنية والضغط الدولي. الهجوم الأخير في كراكاس لا يمثل فقط تحولًا في السياسة الأمريكية تجاه مادورو، بل يوضح كيف يمكن أن تصبح الموارد الطبيعية محورًا للصراعات الدولية، وتأثيرها المباشر على الاقتصاد والمجتمع والسياسة في فنزويلا والمنطقة.










