“تقرير شامل يكشف جذور الأزمة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، مع التركيز على حزام أورينوكو النفطي والمعادن النادرة، والصراع الدولي على السيطرة على الموارد الاستراتيجية.
كراكاس، فنزويلا –4 يناير 2026
تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا إلى مستويات غير مسبوقة، بعد الهجوم العسكري الأميركي على العاصمة كراكاس الذي ألقى بظلاله على الوضع السياسي والاقتصادي للبلاد، وأثار موجة جدل دولية حول دوافع واشنطن الحقيقية، في وقت تصف فيه كراكاس هذه الخطوة بأنها محاولة للسيطرة على مواردها الاستراتيجية، من النفط إلى المعادن النادرة.
اتهامات أميركية رسمية
تستند الإدارة الأميركية في موقفها إلى ثلاث اتهامات رئيسية ضد الحكومة الفنزويلية. أولها، ارتباط النظام التشافيزي بتنظيمات تصنفها واشنطن إرهابية، مع تهريب المخدرات إلى الأراضي الأميركية، ما دفع البحرية الأميركية لاستهداف سفن فنزويلية خلال الأسابيع الماضية. ثانيها، التشكيك بشرعية انتخابات الرئاسة لعام 2024، التي أسفرت عن فوز نيكولاس مادورو. ثالثًا، التدخل المباشر لاعتقال مادورو خلال الهجوم، كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكداً أن العملية تهدف لاستعادة حقوق الشركات الأميركية في قطاع الطاقة.
كراكاس ترد: السيطرة على الموارد وراء الهجوم
في المقابل، نفت الحكومة الفنزويلية كل الاتهامات الأميركية، مؤكدة أن الهدف الحقيقي للعدوان هو الموارد الطبيعية الضخمة للبلاد. وأصدرت وزارة الخارجية بيانًا أكدت فيه أن “الهجوم يهدف إلى السيطرة على النفط والمعادن النادرة، وكسر استقلال فنزويلا السياسي بالقوة”. وأشارت الحكومة إلى حزام أورينوكو النفطي، الذي يمثل أحد أغنى مناطق العالم بالنفط الثقيل وفائق الثقل، ويمتد على مساحة واسعة تشمل أكبر مناجم الذهب والألماس في أميركا اللاتينية.
جذور الصراع: حزام أورينوكو النفطي والمعادن النادرة
بدأ النزاع مع شركات النفط الأجنبية منذ عام 2007، عندما فرض الرئيس الراحل هوغو تشافيز نقل الحصة الكبرى من المشاريع في أورينوكو إلى شركة النفط الوطنية PDVSA، ما أدى إلى انسحاب شركات كبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون وتوتال. وبعدها فرضت العقوبات الأميركية حصارًا مشددًا على القطاع النفطي والفنزويلي، ما تسبب في انهيار اقتصادي واسع.
بالإضافة إلى النفط، حوّلت الحكومة الفنزويلية جنوب نهر أورينوكو إلى حزام تعدين استراتيجي، يحتوي على الذهب، الألماس، النيكل، والكولتان، إضافة للعناصر الأرضية النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية. ويشير تقرير حديث إلى أن نحو 70% من استخراج هذه المعادن يتم عبر الصين، التي تسيطر كذلك على 87% من قدرة المعالجة العالمية لهذه الموارد.
انهيار الاقتصاد والفوضى الاجتماعية
تعاني فنزويلا من انهيار اقتصادي مستمر منذ 2014-2015، ترافق مع نقص الغذاء والأدوية، وارتفاع معدلات التضخم، ما جعل الدولة المثقلة بالثروات الطبيعية واحدة من أفقر دول العالم اقتصادياً. وأدى هذا الوضع إلى تفاقم الفساد والتهريب، خاصة في قطاع التعدين، حيث يتم تهريب معظم الذهب إلى الخارج، ويصل جزء محدود فقط لخزينة الدولة.
كما أن الأزمة الاقتصادية أثرت على البنية الاجتماعية، وزادت من الاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة، ما شكل بيئة مثالية لتدخل القوى الخارجية تحت مبررات حماية الاستقرار أو محاربة الإرهاب والمخدرات، بحسب تحليلات خبراء دوليين.
أبعاد دولية: صراع النفوذ بين القوى الكبرى
الصراع في فنزويلا لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يشمل الصين وتركيا أيضًا. الصين تستحوذ على الجزء الأكبر من سوق العناصر الأرضية النادرة، بينما تكشف أنقرة عن احتياطيات كبيرة في غرب الأناضول، وتسعى لتطويرها بالتعاون مع واشنطن. هذا التنافس الدولي حول الموارد الحيوية يضيف بعدًا اقتصاديًا وسياسيًا جديدًا للأزمة، ويجعل فنزويلا مركزًا لتصفية مصالح القوى الكبرى في أميركا اللاتينية.
مستقبل غير واضح
مع تصاعد الأزمة، يبقى مصير فنزويلا مجهولًا. هل ستنجح الحكومة الحالية في الدفاع عن مواردها وسيادتها؟ أم ستنخفض الدولة أمام الضغوط الاقتصادية والسياسية الدولية؟ الخبراء يرون أن التطورات القادمة ستكون حاسمة ليس فقط لفنزويلا، بل لأسواق النفط والمعادن العالمية، وربما تعيد رسم خريطة التحالفات الدولية.










