مع تصاعد التوتر الإقليمي وضغوط واشنطن، الفصائل المسلحة العراقية تواجه اختبارًا حاسمًا بين الولاء لطهران وامتثال الدولة
تصاعد الضغط الأمريكي على العراق لنزع سلاح الميليشيات يضع البلاد أمام مواجهة حقيقية بين الحكومة والفصائل المسلحة، وسط قلق إقليمي وتحديات أمنية وسياسية معقدة.
ملف نزع السلاح.. اختبار جديد للعراق
أصبح موضوع نزع سلاح الميليشيات المسلحة في العراق أحد أبرز القضايا الساخنة في المشهد السياسي والأمني، خاصة بعد الانتخابات الأخيرة. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل اختبارًا مباشرًا لاستجابة الحكومة العراقية للضغوط الدولية، خصوصًا من الولايات المتحدة، لإعادة ضبط المشهد الأمني ومؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، شدد رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، على أن “حصر السلاح بيد الدولة قرار عراقي مستقل”، مؤكدًا أن هذا المسار يهدف إلى حماية البلاد ونزع الذرائع التي قد تستخدم للاعتداء عليها. وأوضح أن العلاقة الثنائية المستقبلية مع واشنطن جزء من هذه الرؤية السيادية.
موقف الفصائل المسلحة: “سلاحنا مقدس”
لكن الفصائل العراقية، وعلى رأسها “تنسيقية المقاومة العراقية” ضمن هيئة الحشد الشعبي، أعادت التأكيد على رفض أي نقاش بشأن سلاحها قبل تحقيق السيادة الكاملة ومنع النفوذ الأجنبي.
تؤكد هذه الفصائل أن سلاحها “مقدس” ويعتبر ركيزة أساسية في مواجهة التهديدات الخارجية، وأن أي حوار حوله لا يمكن أن يتم إلا بعد ضمان العراق استقلاله السياسي والأمني.
الرأي العام والمرجعية الدينية
تظهر مؤشرات حديثة أن الرأي العام العراقي بدأ يتشكل ضد بقاء السلاح خارج إطار الدولة، مدفوعًا بتداعياته الاقتصادية والأمنية والسياسية على مؤسسات الدولة الرسمية.
وفي السياق ذاته، شددت المرجعية الدينية على ضرورة حصر أدوات القوة بيد الدولة، معتبرة أن أي استمرار للسلاح خارج المؤسسات الرسمية يضع العراق في مواجهة مع المجتمع الدولي ويعقّد جهود بناء الدولة بعد سنوات من الحرب.
القضاء العراقي يحسم الملف
على الصعيد القانوني، أعلن رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، أن الحاجة انتفت لبقاء السلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب أدوات قانونية وتنموية لضمان وحدة القرار الوطني، مع مراعاة التضحيات التي قدمتها الميليشيات سابقًا في مواجهة الإرهاب.
تحذيرات من صدام داخلي
ورأى محللين أن نزع السلاح لا يمكن أن يُتعامل معه كإجراء إداري أو أمني فقط، بل هو قضية مركبة مرتبطة ببنية الدولة بعد عام 2003، وبازدواج القرار بين ما هو رسمي وما هو خارج الأطر الدستورية.
وحذر من أن أي خطوة متسرعة قد تنقل العراق من أزمة السلاح إلى أزمة صدام داخلي، خاصة في ظل التوترات الإقليمية الممتدة من غزة إلى سوريا.
التحركات الأمريكية: مواقف صارمة وضغوط متزايدة
مع وصول المبعوث الأمريكي إلى العراق، مارك سافايا، وتصاعد لهجته العلنية تجاه الفصائل، أصبح ملف نزع السلاح محور متابعة مباشرة من واشنطن. ويشير مراقبون إلى أن الضغوط الأمريكية الحالية مرتبطة بتجارب سابقة في فنزويلا وإيران، حيث استخدم الضغط الدولي والسياسي لفرض تغييرات مباشرة على الأرض.
السيناريوهات المستقبلية
يواجه العراق خيارًا صعبًا بين الامتثال لمطالب الحكومة والضغط الدولي، مما قد يضعف النفوذ الإيراني داخل البلاد، أو التمسك بالسلاح، مع احتمال زيادة العزلة السياسية والشعبية للفصائل المسلحة. وتعتبر هذه المرحلة لحظة فارقة في تاريخ العراق الحديث، بين تعزيز سيادة الدولة واستمرار الهيمنة الموازية للقوى المسلحة.










