اجتماع إسطنبول الدولي ينسّق نشاط الجماعة محليًا وعبر الحدود، في وقت يشهد الجنوب اليمني تصعيدًا سياسيًا وأمنيًا مع سلطة العليمي والمجلس الانتقالي
كشف تقرير عن تحركات جماعة الإخوان المسلمين في اليمن بعد اجتماع إسطنبول الدولي، حيث استثمرت الجماعة التوتر مع المجلس الانتقالي لتعزيز نفوذها داخل سلطة العليمي، ضمن شبكة توتر ثلاثية تشمل الحوثيين. تفاصيل كاملة حول الاستراتيجية الإقليمية للجماعة وآثارها على الأمن والاستقرار في الجنوب اليمني
تشهد الساحة اليمنية خلال الأيام الأخيرة موجة تحركات سياسية وتنظيمية لافتة تقودها جماعة الإخوان المسلمين، في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع تصاعد التوتر بين سلطة الأمر الواقع برئاسة رشاد العليمي والمجلس الانتقالي الجنوبي. هذه التحركات، وفق تقديرات سياسية متعددة، لم تعد محصورة داخل الإطار المحلي، بل باتت مرتبطة بتنسيق خارجي واسع تقوده شبكات التنظيم الدولي للجماعة، في محاولة لإعادة التموضع داخل مشهد إقليمي مضطرب.
مصادر سياسية مطلعة تشير إلى أن اجتماعًا عقدته قيادات التنظيم الدولي في إسطنبول مطلع الأسبوع شكّل نقطة انطلاق لإعادة ضبط إيقاع تحركات الفروع النشطة في مناطق النزاع، وعلى رأسها اليمن، باعتباره ساحة مفتوحة تسمح بهوامش مناورة سياسية وأمنية لا تتوافر في دول أخرى تشهد تضييقًا قانونيًا على نشاط الجماعة.
اليمن كساحة اختبار لنفوذ التنظيم
يكتسب اليمن، في الحسابات الإخوانية، أهمية خاصة نتيجة هشاشة البنية السياسية وتداخل مراكز القرار، ما يتيح للجماعة العمل من داخل المؤسسات الرسمية بدل المواجهة المباشرة. وتوضح المصادر أن النقاشات التي دارت خارج اليمن ركزت على كيفية استثمار حالة الانقسام الداخلي لإبقاء الجماعة فاعلة في المعادلة، ومنع تبلور أي صيغة استقرار سياسي قد تؤدي إلى تقليص نفوذها.
وتشير المعلومات إلى أن الجماعة تعتمد استراتيجية تقوم على توسيع هامش الحركة عبر أدوات محلية تعمل تحت مظلة السلطة القائمة، مستفيدة من حالة الاشتباك السياسي مع المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو ما يسمح بإطالة أمد الأزمة وتحويلها إلى ورقة ضغط دائمة داخل المشهد اليمني.
تقاطع المسارين السياسي والعسكري
في موازاة النشاط السياسي، يبرز تناغم ملحوظ بين التحركات التنظيمية للجماعة وبعض القوى العسكرية المرتبطة بسلطة العليمي، بما يعكس تداخل المسارين السياسي والأمني في إدارة الصراع. مراقبون يرون أن هذا التقاطع لا يهدف إلى الحسم بقدر ما يسعى إلى إبقاء المشهد مفتوحًا على احتمالات التصعيد، بما يرهق الخصوم ويمنع تثبيت أي معادلة مستقرة في الجنوب.
ويؤكد محللون أن استمرار هذا النهج يعمّق حالة الاستنزاف داخل المؤسسات، ويعطل مسارات التسوية التي يمكن أن تعيد ترتيب الأولويات الأمنية والاقتصادية في البلاد، خصوصًا في المناطق التي تشهد تنافسًا حادًا على النفوذ والقرار.
نفوذ غير مباشر داخل دوائر القرار
مصدر سياسي يمني أوضح أن جماعة الإخوان كثفت خلال الفترة الأخيرة تحركاتها داخل دوائر صنع القرار، عبر شخصيات محسوبة على السلطة القائمة، بما يتيح لها التأثير في اتجاه السياسات العامة دون الظهور كطرف مباشر في الصراع. هذا الأسلوب يمنح الجماعة هامشًا واسعًا للمناورة ويقلل من كلفة المواجهة السياسية والإعلامية.
ويضيف المصدر أن الرهان الأساسي للجماعة لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يرتبط ببنية السلطة الهشة نفسها، حيث يسمح تداخل الصلاحيات وغياب مركز قرار حاسم بتمرير أجندات متعددة دون مساءلة واضحة.
منطق إدارة الفوضى بدل السعي للحكم
في قراءة أوسع للمشهد، يرى باحثون متخصصون في شؤون الحركات العابرة للحدود أن جماعة الإخوان انتقلت خلال السنوات الأخيرة من استراتيجية السعي للوصول إلى السلطة إلى استراتيجية أكثر براغماتية تقوم على إدارة الفوضى وتعطيل مسارات الاستقرار التي لا تخدم مصالحها.
ويؤكد هؤلاء أن اليمن يمثل نموذجًا واضحًا لهذا التحول، حيث تعمل الجماعة على التموضع داخل الهياكل القائمة واستثمار تناقضاتها بدل بناء نفوذ مستقل، إدراكًا منها أن أي استقرار سياسي حقيقي، خصوصًا في الجنوب، سيؤدي إلى تراجع دورها بشكل كبير.
شبكة توتر ثلاثية تعمّق الأزمة
من زاوية تحليلية أخرى، يذهب خبراء في ديناميات النزاعات إلى أن المشهد اليمني بات محكومًا بشبكة توتر ثلاثية الأضلاع، تضم جماعة الحوثي، وجماعة الإخوان، وسلطة تعاني من ضعف القدرة على فرض مسار سياسي واضح. هذا التداخل ينتج حالة شلل مزمنة، حيث تتقاطع المصالح الضيقة مع غياب القرار الحاسم، لتبقى البلاد عالقة بين تصعيد لا يصل إلى الحسم وتسويات لا ترى النور.
ويرى مراقبون أن التعامل الدولي مع هذه الأطراف كملفات منفصلة يفاقم من سوء تقدير المشهد، في حين أن الواقع يشير إلى منظومة واحدة لإدارة الصراع بأدوات مختلفة، لكن بنتيجة واحدة تتمثل في إطالة أمد الأزمة وتعقيد فرص إعادة بناء الدولة.
تداعيات مفتوحة على مستقبل الاستقرار
في ظل هذا الواقع، تبدو فرص الاستقرار السياسي والأمني في اليمن رهينة بتفكيك شبكات النفوذ غير المعلنة، وإعادة ضبط العلاقة بين السلطة والقوى الفاعلة على الأرض. ومع استمرار التحركات المنسقة عابرًا للحدود، تظل احتمالات التصعيد قائمة، فيما يدفع المواطن اليمني كلفة صراع تتشابك فيه الحسابات الإقليمية مع التناقضات الداخلية.










