تناقض داخل الإدارة الأميركية يفتح باب التصعيد مع أوروبا ويهدد تماسك الناتو
في وقت تتصاعد فيه المخاوف الأوروبية من اندلاع أزمة جيوسياسية جديدة في القطب الشمالي، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أمام الكونجرس أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تخطط لغزو جرينلاند، وأن الهدف المعلن هو شراء الجزيرة من الدنمارك عبر التفاوض، وليس فرض السيطرة العسكرية عليها.
لكن هذا التطمين لم ينجح في تهدئة الجدل، بعدما رفض البيت الأبيض بشكل واضح استبعاد خيار استخدام القوة العسكرية، ما كشف عن حالة ارتباك سياسي ورسائل متناقضة داخل الإدارة الأميركية نفسها.
روبيو: المفاوضات لا المدافع
بحسب مصادر مطلعة نقلت عنها صحيفة “وول ستريت جورنال”، أوضح روبيو خلال إحاطة مغلقة للمشرعين أن التصريحات النارية الصادرة من البيت الأبيض لا تعني وجود خطة وشيكة لغزو جرينلاند، مؤكدًا أن واشنطن تسعى إلى اتفاق شراء رسمي مع كوبنهاجن.
وجاءت هذه التصريحات ردًا على تساؤلات داخل الكونجرس حول ما إذا كانت إدارة ترامب تستعد لتوسيع نطاق استخدام القوة العسكرية خارج الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، خاصة بعد العمليات الأميركية الأخيرة في فنزويلا وإيران ونيجيريا.
السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام دعم رواية روبيو، معتبرًا أن ما يجري “عملية تفاوض سياسية وقانونية”، تهدف إلى تأمين وجود أميركي مستقر ومشروع في الجزيرة.
البيت الأبيض: الجيش خيار دائم
في المقابل، أصر البيت الأبيض على إبقاء كل السيناريوهات مفتوحة. وقالت المتحدثة باسم الرئاسة الأميركية كارولين ليفيت إن السيطرة على جرينلاند تمثل أولوية للأمن القومي الأميركي، مشيرة إلى أن الرئيس ترامب وفريقه يدرسون مجموعة من الخيارات، بما في ذلك العمل العسكري إذا لزم الأمر.
الرئيس ترامب نفسه شدد، في تصريحات سابقة، على أن الولايات المتحدة “بحاجة إلى جرينلاند” لتعزيز النفوذ في القطب الشمالي، ومواجهة التمدد الروسي والصيني، إضافة إلى فتح المجال أمام الشركات الأميركية للوصول إلى المعادن النادرة والموارد الاستراتيجية في الجزيرة.
جرينلاند… جزيرة صغيرة في قلب صراع دولي كبير
تتمتع جرينلاند بحكم ذاتي وتتبع رسميًا الدنمارك، لكنها تملك موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية على طرق الملاحة الشمالية، كما تختزن ثروات معدنية ضخمة تجعلها محط أطماع القوى الكبرى.
ورغم الاهتمام الأميركي المتزايد، تُظهر استطلاعات الرأي أن غالبية سكان جرينلاند يرفضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، ويتمسكون بالسيادة الدنماركية واستقلال القرار السياسي.
أوروبا تحذر: أي هجوم سينهي الناتو
القلق الأوروبي يتصاعد مع استمرار التصريحات الأميركية المتشددة. فقد حذرت الحكومة الدنماركية وعدد من قادة أوروبا من أن أي محاولة أميركية للسيطرة بالقوة على جرينلاند ستؤدي عمليًا إلى تفكك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، باعتبار أن الهجوم على دولة عضو يمثل كسرًا غير مسبوق لقواعد التحالف.
رئيسة الوزراء الدنماركية أكدت أن كوبنهاجن قدمت بالفعل تنازلات أمنية كبيرة، شملت السماح بتوسيع الوجود العسكري الأميركي وزيادة الاستثمارات الدفاعية في الجزيرة، إلا أن ترامب قلل من قيمة هذه الإجراءات، في تصريحات أثارت غضبًا واسعًا داخل أوروبا.
أزمة ثقة داخل المعسكر الغربي
المشهد الحالي يكشف عن أزمة أعمق من مجرد خلاف حول جزيرة نائية. فالتناقض بين خطاب روبيو الدبلوماسي وتصريحات البيت الأبيض التصعيدية يثير تساؤلات حول اتساق القرار الأميركي، ويضع الحلفاء الأوروبيين أمام معادلة صعبة بين الالتزام بالتحالف التاريخي مع واشنطن وحماية سيادتهم الوطنية.
ويرى محللون أن استمرار هذا النهج قد يدفع أوروبا إلى إعادة التفكير في اعتمادها الأمني الكامل على الولايات المتحدة، خاصة إذا تحولت التهديدات إلى خطوات عملية.
إلى أين تتجه الأزمة؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على تحرك عسكري وشيك، لكن استمرار التصريحات المتضاربة، وتصاعد الحساسية الدولية حول القطب الشمالي، يجعلان ملف جرينلاند أحد أخطر بؤر التوتر الجيوسياسي المحتملة خلال المرحلة المقبلة.
السيناريو الأقرب يبقى هو الضغط السياسي والاقتصادي على الدنمارك، لكن أي انزلاق غير محسوب قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية غير مسبوقة داخل المعسكر الغربي نفسه.










