أشعلت تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، التي دعا فيها الولايات المتحدة إلى تنفيذ عملية لاختطاف رئيس جمهورية الشيشان رمضان قديروف على طريقة الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، موجة جديدة من التصعيد الكلامي بين كييف وغروزني وموسكو، ودفعت قديروف إلى رد حاد اتهم فيه زيلينسكي بـ«الجبن» و«الاحتماء بالأمريكيين» ومحاولة إفشال أي تسوية سلمية.
الرد الشيشاني لم يقتصر على بيان مكتوب، بل جاء عبر لغة شخصية هجومية، تستهدف صورة زيلينسكي أمام جمهوره وحلفائه، وتعكس في الوقت نفسه رغبة قديروف في إظهار التحدي والاستعداد لمواجهة أي سيناريو عسكري أو أمني داخل الشيشان.
خلفية التصعيد: من مادورو إلى قديروف
بدأت القصة عندما علّق زيلينسكي على العملية الأمريكية التي انتهت بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، معتبرًا أن هذه الخطوة تُظهر أن واشنطن تملك أدوات قادرة على تغيير سلوك الأنظمة المعادية إذا أرادت.
وقال الرئيس الأوكراني إن الولايات المتحدة «لديها الوسائل وتعرف كيف تستخدمها»، داعيًا إلى استخدام نموذج مادورو للضغط على روسيا عبر استهداف حلفائها، وعلى رأسهم رمضان قديروف.
في تصريحات نُقلت عن زيلينسكي، دعا واشنطن إلى تنفيذ «عملية» ضد قديروف، قائلاً بلهجة تهكمية: «ها هو المثال مع مادورو، نفذوا العملية والنتيجة رآها الجميع… فلينفذوا الآن عملية ما ضد هذا… ما اسمه… قديروف، ربما عندها يفكر بوتين مرتين».
هذه العبارة التى تعمد فيها الرئيس الأوكراني التظاهر بنسيان اسم قديروف اعتبرها الكثيرون استفزازًا مباشرًا لزعيم الشيشان، ورسالة ضغط غير تقليدية تجاه موسكو.
قديروف يرد: «مهرج جبان يستدعي الأمريكان»ردّ رمضان قديروف جاء سريعًا عبر قناته على «تليغرام»، حيث اتهم زيلينسكي بأنه يحاول تحقيق أهدافه «بالوكالة» عن طريق الآخرين، وبأنه لا يجرؤ على التهديد بنفسه أو تحمل تبعات كلامه «كرجل».
وكتب قديروف أن الرئيس الأوكراني «يضعني على قوائم المطلوبين ويفرض عليّ العقوبات، والآن يطلب مساعدة الأمريكيين قائلاً: إذا لم يساعدونا بالأسلحة، فليخطفوا رمضان على الأقل».
قديروف ذهب أبعد من ذلك في لهجته الشخصية، مخاطبًا زيلينسكي بالقول: «زيليا، حاول على الأقل أن تكون رجلاً. إن لم تستطع فلن تنجح، لكن حاول. احفظ ماء وجهك ولا تُهِن نفسك».
وأضاف أن كلمات زيلينسكي «تكشف بوضوح محاولاته إفشال التسوية السلمية» بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، في إشارة إلى أن مثل هذه الدعوات للاختطاف والتصفية تقوّض أي مسار تفاوضي محتمل.
البُعد الأمني: «ادخل إن استطعت… لن تخرج»لم يكتفِ قديروف بالهجوم اللفظي، بل أرفق رده برسائل ردع واضحة، مؤكّدًا أن أي قوة تفكر في تنفيذ عملية على الأراضي الشيشانية ستواجه مقاومة قاسية.
وقال إن «العدو يمكن أن يدخل الجمهورية، لكنه لن يتمكن من الخروج»، في تلميح مباشر إلى استعداد قواته – التي يقاتل جزء منها في أوكرانيا تحت لواء الجيش الروسي – لصدّ أي محاولة إنزال أو عملية خاصة تستهدفه شخصيًا.
هذا الخطاب ينسجم مع الصورة التي يحرص قديروف على ترسيخها لنفسه كزعيم محارب لا يخشى المواجهة، ومستعد لتحويل أي محاولة استهداف إلى معركة دامية داخل الجبال الشيشانية، بما يرفع كلفة أي سيناريو من هذا النوع في حسابات واشنطن أو كييف.
الحرب الإعلامية والسخرية المتبادلة
الاشتباك بين زيلينسكي وقديروف لا يقتصر على التصريحات السياسية، بل يمتد إلى فضاء الحرب الإعلامية وحملات السخرية الرقمية. فقد سبق أن نشر قديروف مقاطع مصورة ساخرة يظهر فيها ممثل يؤدي دور زيلينسكي، يُجبر في إحداها على توقيع «استسلام أوكرانيا» وترديد شعار «أخمت قوة»، وفي أخرى يُرفض قبوله في «كتيبة أخمت»، في محاولة لإهانة صورة الرئيس الأوكراني أمام جمهوره ومتابعيه على مواقع التواصل.
هذه الفيديوهات فسّرها مراقبون بأنها جزء من استراتيجية قديروف لتعزيز حضوره الدعائي داخل روسيا وخارجها، عبر تقديم نفسه كخصم شرس لـ«النازية الأوكرانية» على حد تعبير الرواية الروسية الرسمية، وبناء صورة «زعيم لا يُمس» مهما اشتدت التهديدات.
في المقابل، يوظف زيلينسكي تصريحات من نوع «ما اسمه… قديروف» لتقليل شأن خصومه وإظهارهم كتوابع ثانوية في منظومة قرار يهيمن عليها الكرملين.
حسابات موسكو وكييف.. ما وراء الكلمات
تصريحات زيلينسكي عن «اختطاف» قديروف تأتي في سياق من التصعيد اللفظي مع روسيا بعد العملية الأمريكية ضد مادورو، ومحاولة لربط مصير بعض حلفاء موسكو بمسار الحرب في أوكرانيا، وإرسال إشارة مفادها أن “رجال بوتين” ليسوا بمنأى عن الاستهداف.
كما يعكس هذا الخطاب رغبة كييف في إبقاء اسم قديروف – الذي تُتهم قواته بارتكاب انتهاكات جسيمة في أوكرانيا – تحت دائرة الضوء الدولي باعتباره «رمزًا» للذراع الخشنة للكرملين.
أما من الجانب الروسي، فيبدو أن موسكو سمحت لزعيم الشيشان بالرد بلهجة قاسية وشخصية لإرسال رسالة مضادة بأن رموز منظومتها الأمنية لن يكونوا هدفًا سهلًا، وأن أي محاولة لتكرار سيناريو مادورو في الفضاء الروسي أو المحيط القريب ستكون مغامرة عالية المخاطر.










