أطلقت موسكو خلال الساعات والأيام الأخيرة عملية إجلاء متسارعة لرعاياها وطاقم بعثتها الدبلوماسية من تل أبيب، في مؤشر قوي على أن روسيا تتعامل مع تطورات المشهد الأمني في إسرائيل بوصفها مقدمات محتملة لانفجار أوسع في الإقليم.
وبينما تلتزم الخارجية الروسية الصمت الرسمي حتى الآن، تتحدث تقارير إعلامية عن رحلات عدة – بعضها عسكري – أقلعت من مطار بن غوريون في أقل من 24 ساعة، وعلى متنها دبلوماسيون روس وعائلاتهم، وسط تحليلات تربط هذه الخطوة بتحذيرات من ضربات إيرانية أو تصعيد إسرائيلي جديد.
ما الذي قررته موسكو بالضبط؟
كشفت تقارير صحفية أن روسيا نظمت ثلاث رحلات على الأقل خلال 24 ساعة لإجلاء طاقم سفارتها وأسرهم من إسرائيل، في عملية وصفت بأنها «متسارعة» وتعكس «معلومات مهمة» حصلت عليها موسكو عن تطورات خطيرة محتملة.
تشير هذه المصادر إلى أن الإجلاء يستهدف في المرحلة الأولى الدبلوماسيين والموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم، مع إبقاء نشاط محدود للسفارة، لكن وتيرة الرحلات تعطي انطباعًا بأن موسكو تستعد لسيناريو أسوأ.
من التحذير إلى التنفيذ: تحوّل في الموقف الروسي
لم يكن الحديث عن مغادرة الروس لإسرائيل مفاجئًا تمامًا؛ فالسفارة الروسية في تل أبيب سبق أن نصحت مواطنيها في فترات تصعيد سابقة بمغادرة البلاد «إلى أن تعود الأوضاع إلى طبيعتها»، مع توصيات باستخدام مسارات عبر مصر أو الأردن.
الجديد هذه المرة أن النصائح العامة تحولت إلى عمليات إجلاء فعلية للطواقم الدبلوماسية، وهو تطور نوعي عادة ما يعكس تقديرًا استخباراتيًا بأن المخاطر لم تعد افتراضية، بل باتت قريبة زمنًا وجغرافيًا من محيط البعثة.
مخاوف من مواجهة أوسع مع إيران
تربط وسائل إعلام عدة بين قرار روسيا وبين تسارع الحديث عن احتمال توجيه إسرائيل ضربات جديدة للبنى التحتية الإيرانية، أو رد انتقامي واسع من طهران، الأمر الذي سيحوّل الأجواء الإسرائيلية إلى هدف مشروع لصواريخ ومسيرات إيرانية أو حليفة.
روسيا، التي تحاول موازنة علاقاتها المعقدة مع إسرائيل وإيران في آن واحد، تبدو حريصة على عدم ترك دبلوماسييها رهائن محتملين لأي انفجار كبير أو توتر مع طهران يمكن أن يضعها أمام اختبار صعب في الانحياز العلني لأحد الطرفين.
تل أبيب بين رسائل الحلفاء وقرارات الرحيل
يأتي القرار الروسي في سياق سلسلة من التحركات الدولية؛ إذ شرعت دول أخرى في وضع خطط لإجلاء رعاياها من إسرائيل وإيران مع دخول المواجهة بينهما مرحلة «حرب جوية» مفتوحة، وفق توصيف وكالات عالمية.
هذه الموجة من التحذيرات والإجلاءات تضغط على الحكومة الإسرائيلية سياسيًا وإعلاميًا، إذ تعزز صورة بلد يدخل تدريجيًا منطقة خطر قد تدفع المستثمرين والسياح والبعثات الدولية إلى إعادة حساباتهم.
البعد السياسي: رسالة إلى واشنطن وتل أبيب
قراءة أخرى ترى في الإجلاء الروسي رسالة سياسية لواشنطن وتل أبيب بأن موسكو لا تنوي أن تدفع ثمن مغامرات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، وأنها ستقدم سلامة رعاياها على أي مجاملة دبلوماسية، خصوصًا في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا.
في الوقت نفسه، قد تستخدم موسكو هذا التطور لتأكيد روايتها عن «خطر السياسات الإسرائيلية والأمريكية على استقرار الإقليم»، وتقديم نفسها مجددًا كلاعب «مسؤول» يتحرك استباقيًا لحماية المدنيين.
تداعيات محتملة على الجالية الروسية في إسرائيل
تضم إسرائيل واحدة من أكبر الجاليات الناطقة بالروسية في العالم، وغالبيتهم يحملون جنسية إسرائيلية، لكن استمرار إجلاء الدبلوماسيين وتحذير المواطنين من البقاء قد يدفع شريحة من حملة الجنسية الروسية المزدوجة إلى التفكير جديًا في المغادرة المؤقتة.
هذا الاحتمال يضع الحكومة الإسرائيلية أمام معادلة حساسة: الحفاظ على صورة «الملاذ الآمن» لمهاجريها الجدد من الاتحاد السوفيتي السابق، وفي الوقت ذاته إدارة التوتر العسكري مع إيران وحلفائها دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
هل تتدحرج كرة الثلج الدبلوماسية؟
تاريخيًا، نادرًا ما تلجأ الدول إلى الإجلاء السريع للبعثات ما لم تكن تتوقع تدهورًا كبيرًا في الوضع الأمني، ما يجعل قرار روسيا مؤشرًا يُراقَب بعناية من عواصم أخرى قد تختار اللحاق به إذا اشتدت نذر الحرب.
مراقبون يرون أن استمرار هذه الموجة من الرحلات الروسية من تل أبيب سيُقرأ في المنطقة وربما في الأسواق العالمية بوصفه إنذارًا مبكرًا بأن الشرق الأوسط مقدم على اختبار جديد، قد يتجاوز حدود الاشتباكات «المحسوبة» التي اعتاد عليها العالم.










