في وقت غادر فيه الكثيرون هرباً من جحيم المدافع، وفي ظل حرب طاحنة تمزق السودان منذ قرابة الثلاث سنوات، برزت قصة الدكتورة ماريا جورج (وحيد)، أخصائية النساء والتوليد بالمستشفى السعودي في أم درمان، كأيقونة حية للصمود والإنسانية التي تتجاوز حدود العرق والدين والسياسة.
“حالفة قسم مابقدر أخلي الناس”
و تروي والدتها السيدة سلوى عياد تفاصيل مكالمة تختصر مشهد التضحية؛ حين رجتها قائلة: “حاولي اطلعي يا ماريا الضرب شديد”، فكان رد الطبيبة القاطع: “لا يا ماما مابقدر.. الناس هنا محتاجين لي، نساء بتموت بنزيف ونقص دم، ومصابات برصاص.. أنا حالفة قسم كيف أسيب الناس البتموت؟”.
ثلاث سنوات في “خط النار”
لم تبارح الدكتورة ماريا جدران المستشفى السعودي طيلة فترة الحرب، وحين اشتد القصف وتحول المرضى إلى “مستشفى النو”، انتقلت معهم مرابطة بين الدانات والرصاص.
و لم تمنعها ظروف أسرتها المهجرة في “شندي”، ولا معاناة والدها الذي يصارع الفشل الكلوي ويحتاج لغسيل ثلاث مرات أسبوعياً، من أداء واجبها.
ودُمر منزلها في حي “المسالمة” بأم درمان تماماً، لكنها لم تلتفت للحطام، بل جعلت من عنابر المستشفى بيتاً لها ولطفليها الأيتام، الذين كبروا بين أصوات المدافع وصراخ الجرحى.
رمز للتعايش السوداني
تُعد الدكتورة ماريا جورج مثالاً حياً للتعايش السلمي في السودان؛ ففي غرف العمليات التي تديرها، لا صوت يعلو فوق صوت الإنسانية، ولا فرق بين مريض وآخر إلا بالحاجة للعلاج. هي “بنت السودان الحر” التي أثبتت أن الحب للوطن دَيْن مستحق، يُؤدى بالأفعال لا بالشعارات.










