اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس على يد القوات الأمريكية فتح الباب أمام سيل من التسريبات والاتهامات عن «صفقة خفية» داخل الدائرة الضيقة للنظام، تتهم نائبة الرئيس السابقة والرئيسة الحالية ديلسي رودريغيز بأنها لعبت دورًا محوريًا فى «تسليم» الرجل الذي خدمته لسنوات.
حتى الآن لا توجد أدلة رسمية قاطعة تثبت أنها «باعت» مادورو وزوجته للولايات المتحدة، لكن تقارير صحفية وشهادات سياسية أثارت بقوة فرضية «الانقلاب من الداخل» فى مقابل نفي معلن من رودريغيز وخطاب رسمي يتحدث عن «اختطاف» و«عدوان أمريكي».
ما الذى حدث فعليًا؟
نفّذت الولايات المتحدة هجومًا عسكريًا مباغتًا على كاراكاس انتهى باعتقال مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك، حيث مثلا أمام المحكمة بتهم مرتبطة بالاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة.
عقِب العملية، أدت ديلسي رودريغيز اليمين كرئيسة بالوكالة، بدعم من قيادات عسكرية أساسية، لتتحول خلال ساعات من نائبة للرئيس المخلوع إلى الشريكة الرئيسية لواشنطن فى إدارة المرحلة الانتقالية، وفق توصيف معظم التغطيات الغربية.
تسريبات عن اجتماعات سرية فى الدوحة
تقارير إعلامية، أبرزها ما نقله موقع EADaily استنادًا إلى «ديلي ميل»، تحدثت عن اجتماعات سرية جمعت رودريغيز بممثلين أمريكيين فى الدوحة قبل أشهر من العملية، برعاية شخصية بارزة من الأسرة الحاكمة فى قطر.
وفق هذه التسريبات، قدّمت رودريغيز نفسها للأمريكيين باعتبارها «بديلًا أكثر قبولًا» من مادورو، متبنية صيغة «مادورية من دون مادورو»، ما غذّى فرضية أن عملية القبض عليه كانت «ترتيبًا داخليًا» بغطاء خارجي.
اتهامات مباشرة بـ«الخيانة»فرانسيسكو سانتوس، نائب الرئيس الكولومبي السابق، صرّح لفضائية NTN24 بأنه «متيقن تمامًا» من أن رودريغيز «سلّمت» مادورو للولايات المتحدة، وأن ما جرى لم يكن خلعًا بالقوة بقدر ما كان تسليمًا متفاوضًا عليه.
هذا الخطاب وجد صداه فى تقارير وتحليلات تلفزيونية وصحفية تتحدث عن أن معظم رموز حكومة مادورو كانت مطلوبة لواشنطن، باستثناء رودريغيز وشقيقها، ما أثار الشكوك حول «صفقة حماية» لعدد محدود من أركان النظام مقابل التضحية بالرأس الأكبر.
خطاب رودريغيز المتقلّب بين الإدانة والتعاون
فى الساعات الأولى بعد اعتقال مادورو، ظهرت رودريغيز على التلفزيون الرسمي متحدثة عن «عدوان عسكرى غير مسبوق» و«اختطاف» الرئيس وزوجته، مطالبة بالإفراج الفوري عنهما، ومؤكدة أن فنزويلا «لن تعود مستعمرةً لأحد».
لكن لهجتها تغيّرت سريعًا؛ إذ دعت بعد أيام إلى «التعاون» مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متحدثة عن أهمية «علاقات محترمة» ومقترحة جدول أعمال مشترك يشمل النفط والتنمية، فى تحول اعتبره مراقبون إشارة إلى تفاهمات أعمق من مجرد براغماتية سياسية.
كيف ترى واشنطن ودول الغرب ديلسي رودريغيز؟
إدارة ترامب وبعض الدوائر الغربية تتعامل حاليًا مع رودريغيز بوصفها الشريك الواقعي على الأرض، وتلوّح بإبقاء جزء من النخبة الفنزويلية فى مواقعها مقابل التزامها بجدول إصلاحات اقتصادية وسياسية يلبّي المصالح الأمريكية فى النفط والأمن.
وسائل إعلام أمريكية ودولية تشير إلى أن دعم رودريغيز ليس حبًا فى شخصها بقدر ما هو محاولة لتجنب فراغ كامل فى السلطة قد يفتح الباب أمام فوضى أو نفوذ أكبر لحلفاء كاراكاس التقليديين مثل روسيا وإيران وكوبا.
هل هناك دليل قاطع على «بيع مادورو»؟
حتى الآن، لا توجد وثائق أو اعترافات رسمية تكشف نصوص اتفاق بين رودريغيز وواشنطن لتسليم مادورو وزوجته، وكل ما يُتداول يستند إلى تسريبات صحفية، وتحليلات استخباراتية، وتصريحات سياسية من خصوم النظام.
مع ذلك، تتابع الأحداث يثير أسئلة صعبة: اجتماعات سرية سابقة، استثناءات من قوائم الملاحقة، انتقال سلس للسلطة، وتحوّل سريع فى خطاب رودريغيز من الإدانة إلى الدعوة للتعاون، وهي معطيات تعزز سردية «الخيانة» لدى المعارضة وجزء من الرأي العام اللاتيني.
البُعد الإقليمى والإعلامى للقضية
بالنسبة للمعارضة الفنزويلية وأطراف فى اليمين اللاتيني، تبدو قصة «البيع» فرصة لإعادة تأكيد رواية قديمة عن أن النخب البوليفارية مستعدة دائمًا لعقد صفقات تحت الطاولة للحفاظ على امتيازاتها، ولو على حساب شعارات «مناهضة الإمبريالية».
إعلاميًا، تحوّلت رودريغيز من صورة «المرأة الحديدية» المدافعة عن مادورو فى المحافل الدولية، إلى متهمة بأنها «ليدى مكبث» جديدة، تمهد بصمت لمسرح سياسي يعيد ترتيب الأوراق بما يضمن بقاء العائلة الحاكمة الواسعة مع التخلص من الرمز الأكثر كلفة.
بين الرواية الرسمية وسردية المعارضة
الرواية الرسمية حتى اللحظة تتمسك بخطاب «العدوان الخارجى» و«اختطاف الرئيس»، وتقدم رودريغيز كزعيمة انتقالية تحاول تجنيب البلاد كارثة أكبر عبر فتح قنوات دبلوماسية مع واشنطن من موقع الاضطرار لا التواطؤ.
فى المقابل، تدفع المعارضة، مدعومة ببعض التسريبات، نحو تثبيت فكرة أن ما جرى «صفقة تقاسم أدوار»، تم فيها التخلص من مادورو وزوجته، مقابل منح ديلسي رودريغيز فرصة إعادة تدوير النظام فى نسخة مخففة ترضى الأمريكيين ولا تقطع جذورها مع المنظومة القديمة.










