تتسارع التطورات في لبنان حول ملف سلاح حزب الله، بعد إعلان الجيش اللبناني إنجاز المرحلة الأولى من خطة «حصر السلاح بيد الدولة» جنوب الليطاني، في خطوة توصف بأنها الأجرأ منذ عقود على طريق نزع سلاح الحزب وإعادة رسم معادلة القوة في البلاد.
وبينما تعتبر قوى لبنانية ودولية أن ما يحدث «تحول تاريخي»، يصر حزب الله وحلفاؤه على أن سلاحه غير قابل للمساومة، فيما تصف إسرائيل الجهود الحالية بأنها «مشجعة لكن غير كافية» وتطالب بتجريد الحزب بالكامل من ترسانته.
ما الذي حدث ميدانيًا؟
أعلن الجيش اللبناني أنه حقق «أهداف المرحلة الأولى» من خطته لحصر السلاح، موضحًا أن الإجراء شمل نزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني وبسط سيطرة الدولة على شريط بعمق 30 كيلومترًا من الحدود مع إسرائيل.
وتم الحديث عن تفكيك مخازن سلاح وشبكات أنفاق وتثبيت نقاط انتشار ثابتة للجيش، في إطار خطة بدأ عرضها على الحكومة منذ سبتمبر 2025.
تؤكد مصادر لبنانية أن توثيق عمليات نزع السلاح والتفكيك يتم بالتنسيق مع شركاء دوليين وبإشراف تقني، لطمأنة المجتمع الدولي إلى جدّية بيروت في تنفيذ التزاماتها.
وتشير المعلومات إلى أن هذه المرحلة تزامنت مع تعهدات بدعم الجيش اللبناني ماليًا ولوجستيًا، استعدادًا لمؤتمر دولي لدعمه مطلع 2026.
إطار الخطة والضغط الدوليتستند خطة نزع سلاح حزب الله إلى جدول زمني أقرّه مجلس الوزراء، يقضي بإنهاء الوجود المسلح غير الشرعي على كامل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك سلاح الحزب، بحلول نهاية عام 2025.
وتنص المرحلة الأولى على إصدار مرسوم حكومي خلال 15 يومًا يلتزم بنزع سلاح حزب الله بالكامل، بالتوازي مع وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية وانسحابها من مواقع داخل الجنوب.
الدول الغربية، وعلى رأسها فرنسا والولايات المتحدة، وصفت القرار اللبناني بأنه «تاريخي وشجاع» ودعت جميع الأطراف اللبنانية إلى احترامه وعدم تقويضه.
في المقابل، تربط تل أبيب أي تهدئة طويلة الأمد أو ترتيبات حدودية دائمة باستكمال نزع سلاح الحزب، معتبرة الخطوات الحالية «مرحلة أولى لا تكفي لأمن إسرائيل ولا لمستقبل لبنان» بحسب تعبير مكتب نتنياهو.
موقف حزب الله وحلفائه
حزب الله أعلن بوضوح أنه «لن يسلم سلاحه» ما دام «الاحتلال والعدوان مستمرين»، واعتبر أن أي محاولة لنزع سلاحه تعني «نزع روحه».
قيادات في الحزب لمّحت إلى أن السلاح مرتبط بعقيدة «المقاومة» وليس بقرار حكومي عابر، وأنه يشكل ضمانة ميدانية في مواجهة إسرائيل، خاصة بعد سنوات من المواجهات المفتوحة والاغتيالات الدقيقة لقادته.
رئيس مجلس النواب نبيه بري ذهب في الاتجاه نفسه، رافضًا تبنّي الورقة الأميركية التي تدفع بقوة نحو نزع السلاح، ومحذرًا من تحويل الخطة إلى بديل عن اتفاق وقف إطلاق النار الأممي ويرى مقربون منه أن «الحوار حول سلاح الحزب» يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية دفاعية وطنية شاملة، لا مجرد استجابة لضغوط واشنطن وتل أبيب
الانقسام الداخلي وخريطة الربح والخسارة
على الضفة الأخرى، ترى قوى سياسية لبنانية أن حصر السلاح بيد الدولة هو المدخل الوحيد لاستعادة السيادة المنتهكة وإنهاء «الدولة داخل الدولة» التي يمثلها الحزب، معتبرة أن اللحظة الإقليمية والدولية تشكل فرصة نادرة لفرض هذا المسار.
شخصيات معارضة تحذّر في الوقت نفسه من أن يتحول القرار إلى مجرد ورقة تفاوض تستخدمها العواصم الكبرى لتحسين شروطها مع إيران وإسرائيل، فيما يبقى اللبنانيون تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والأمني.
اقتصاديًا وأمنيًا، يُوصف نزع سلاح الحزب بأنه سيف ذو حدين؛ فمن جهة قد يفتح الباب أمام تدفق دعم دولي وإعادة هيكلة شاملة للمؤسسات، ومن جهة أخرى قد يخلق فراغًا أمنيًا في مناطق لطالما تكفل فيها الحزب بضبط الحدود والمواجهات مع إسرائيل.
هذا الاحتمال يثير مخاوف من عودة سيناريو الميليشيات المتعددة أو تمدد جماعات متطرفة إلى مناطق حساسة في حال لم تُستكمل الخطة برؤية دفاعية متكاملة.
إلى أين يتجه لبنان؟
الجيش يعلن أنه جاهز للانتقال إلى «المرحلة الثانية» من الخطة بعد استكمال الجنوب، ما يعني عمليًا توسيع مهمة نزع السلاح لتشمل مناطق أخرى وحصر السلاح كليًا بالمؤسسات الرسمية.
هذه الخطوة تحتاج إلى غطاء سياسي داخلي وتفاهمات إقليمية، وإلا تحولت إلى شرارة صدام أهلي جديد، كما يحذر مراقبون.
في المقابل، تواصل إسرائيل ربط أي انسحاب كامل من نقاطها في الجنوب بوجود ضمانات واضحة حول تفكيك بنية الحزب العسكرية وعدم إعادة بنائها سرًا.
وبين حسابات الداخل اللبناني وضغوط الخارج، يقف البلد الصغير أمام اختبار وجودي جديد: هل ينجح في نزع سلاح حزب الله من دون أن ينزع استقراره الهش، أم يدخل حقبة جديدة من الصراعات على هوية القوة ومن يحتكر السلاح؟










