شهدت إيران تصعيدًا ميدانيًا لافتًا بعد تداول مقاطع مصورة تُظهر إضرام النار في مبنى هيئة الإذاعة والتليفزيون الرسمي بمدينة أصفهان، في مشهد اعتبره كثيرون رمزًا مباشرًا لتمرّد الشارع على أحد أهم أذرع الدعاية للنظام.
الحريق الذي اندلع ليلًا تزامن مع موجة احتجاجات واسعة وقطع طرق وإضرابات، بينما تلتزم السلطات الإيرانية الصمت رسميًا بشأن ملابسات ما جرى وحجم الخسائر حتى اللحظة.
ماذا حدث في مبنى الإذاعة والتليفزيون؟
مواقع إيرانية وعربية تحدّثت عن نشوب حريق ضخم في مبنى التلفزيون الإيراني في مدينة أصفهان، مع تداول لقطات تُظهر ألسنة اللهب وهي تلتهم أجزاء من المبنى وسط هتافات المحتجين.
وصف شهود عبر منصات التواصل ما جرى بأنه «إحراق متعمّد» لمقر رسمي، في سياق رسالة رمزية تستهدف مؤسسة يُنظر إليها كأداة رئيسية لتلميع السلطة وشيطنة المعارضين.
مقاطع فيديو بثتها قنوات إخبارية بينها «الحدث» ووسائل عربية أخرى أظهرت اشتعال النيران في محيط المبنى ليلاً، مع تزايد الدخان الكثيف ووجود حركة أمنية في محيطه.
حتى الآن، لا توجد بيانات رسمية بشأن ما إذا كان الحريق ناتجًا عن عمل تخريبي مباشر من المتظاهرين، أو عن اشتباكات في محيط المبنى، أو عن أسباب أخرى.
في سياق احتجاجات أوسع
إحراق مبنى الهيئة في أصفهان جاء ضمن موجة احتجاجات متصاعدة تشهدها إيران، بدأت بإضراب عام لتجّار البازار في طهران وامتدت إلى مدن تبريز وسنندج والأهواز وعبادان ومناطق أخرى.
تشير التقارير إلى أن الشارع يحتج على تدهور الأوضاع المعيشية، وانهيار القوة الشرائية للعملة المحلية، إلى جانب مطالب سياسية أعمق تتعلق بالحريات وبنية النظام.
نشطاء على منصات التواصل نشروا مشاهد لقطع طرق واحتجاجات ليلية واشتباكات محدودة في أكثر من مدينة، في وقت تتحدث فيه تقارير عن سقوط قتلى وجرحى في المواجهات من دون أرقام رسمية واضحة.
وتؤكد مصادر إعلامية أن بعض الدعوات للتظاهر صدرت من معارضة في الخارج، ما يزيد من حدة التوتر بين النظام وخصومه.
صمت رسمي وتشديد أمنيحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر وزارة الداخلية الإيرانية أو هيئة الإذاعة والتليفزيون بيانًا مفصلًا يشرح ملابسات الحريق أو حجم الأضرار البشرية والمادية.
هذا الصمت الرسمي يفتح الباب أمام تأويلات عدة، بين من يصف ما حدث بأنه ضربة معنوية قاصمة لمنظومة الإعلام الرسمي، وبين من يرجح محاولة احتواء دلالة الحادث حتى لا يتحول إلى أيقونة احتجاجية.
في المقابل، تشير تقارير صحفية إلى انتشار أمني مكثف في المدن الكبرى، مع استخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي في بعض المناطق لتفريق المحتجين.
كما أُعلن عن انقطاع أو تقييد واسع لشبكة الإنترنت على مستوى البلاد أو في مناطق محددة، بهدف الحد من تداول مقاطع التظاهرات والحريق.
رمزية استهداف مؤسسة إعلامية رسمية
هيئة الإذاعة والتليفزيون في إيران تُعد إحدى أكثر المؤسسات تحكمًا وتبعية للسلطة، ويُنظر إليها كمركز لإنتاج الخطاب الرسمي والدعاية السياسية.
لذلك، يحمل استهداف أحد مبانيها بالحرق معنى يتجاوز البعد المادي إلى كونه رسالة احتجاج مباشرة ضد «صوت النظام» وصورته أمام الداخل والخارج.
سبق للتلفزيون الرسمي أن كان في قلب مشاهد صدام أخرى، منها حادثة استهداف مبناه في طهران قبل أشهر خلال هجوم إسرائيلي، والتي أدت إلى اندلاع حريق كبير في جزء من المجمع الإعلامي وفق ما نشرته الهيئة نفسها آنذاك.
واليوم، يأتي الحريق الجديد في أصفهان من داخل سياق احتجاجي داخلي، ما يضاعف دلالته السياسية في عيون المراقبين.
إلى أين تتجه الأحداث؟
يرى محللون أن إحراق مبنى الإذاعة والتليفزيون، إلى جانب استهداف مقار رسمية أخرى خلال الاحتجاجات، قد يسرّع تحوّل الغضب الشعبي من الطابع المعيشي إلى الطابع السياسي الرمزي.
ومع كل يوم احتجاج جديد، تتزايد التساؤلات حول قدرة السلطات على احتواء الموجة الحالية بأدوات أمنية فقط، أو ما إذا كانت مضطرة لطرح حزمة تنازلات اقتصادية وسياسية لتفادي مزيد من الانفجار.
في المقابل، يخشى مراقبون من أن يؤدي تشديد القبضة الأمنية وقطع الإنترنت وتوسيع الاعتقالات إلى تعميق فجوة الثقة بين الشارع والدولة، وربما دفع الاحتجاجات إلى مسارات أكثر راديكالية.
وبين نار الميدان وصمت البيانات الرسمية، يبقى حريق مبنى الإذاعة والتليفزيون في إيران واحدًا من أكثر مشاهد هذه الموجة الاحتجاجية دلالة على أن معركة النظام لم تعد فقط في الشوارع، بل أيضًا على الصورة والصوت والرسالة.










