من يطفئ نار الكراهية؟ حرق دور عبادة المسيحيين بين نيران الجيش والدعم السريع
يتعرض المسيحيون في السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع لموجة منهجية من الاستهداف طالت عشرات دور العبادة حرقًا ونهبًا وتدميرًا، في واحدة من أشد الهجمات قسوة على الكنائس في تاريخ البلاد الحديث.
تقارير كنسية وحقوقية تتحدث عن أكثر من 150 كنيسة متضررة بدرجات متفاوتة، بينها كنائس دُمّرت بالكامل أو حُوّلت إلى ثكنات ومقرات عسكرية، وسط صمت رسمي شبه كامل وتجاهل سياسي لمعاناة الأقلية المسيحية.
أرقام صادمة عن حجم الدمار
تحقيقات استقصائية وشهادات كنسية وثّقت أضرارًا طالت 23 كنيسة وديرًا واحدًا بشكل مفصل في الخرطوم ومحيطها، ضمن صورة أوسع لأكثر من 150 كنيسة تضررت في مختلف الأقاليم منذ أبريل
2023
الأمين العام لمجلس الكنائس السودانية عبد الله سردار أكد أن الحرب الحالية شهدت التعدي على 153 كنيسة، وتدمير 17 منها تدميرًا كاملًا، إلى جانب الاعتداء على نحو 3000 شخص أثناء ممارسة شعائرهم الدينية.
تقارير أخرى تشير إلى أن الانتهاكات لم تقتصر على الخرطوم وأم درمان، بل طالت مدنًا مثل ود مدني ومناطق في كردفان وشرق النيل، حيث جرى إحراق كنائس أو تدمير محتوياتها وسرقة ممتلكاتها تحت غطاء الاشتباكات العسكرية.
هذه الأرقام تكشف أن استهداف الكنائس لم يكن حوادث فردية معزولة، بل مسارًا متكررًا وممتدًا مع اتساع رقعة الحرب.
من يحرق الكنائس؟ …مسؤولية الأطراف المتحاربة
التحقيقات الحقوقية تحمل الطرفين المتحاربين – الجيش السوداني وقوات الدعم السريع – مسؤولية مباشرة وغير مباشرة عن تدمير الكنائس، كلّ وفق نمط مختلف من الانتهاكات.
ففي حين تُتهم الطائرات الحربية التابعة للجيش بقصف بعض دور العبادة بصواريخ جو – أرض، مثل دير الأنبا أنطونيوس والأنبا موسى الأسود في الحاج يوسف، تُتهم قوات الدعم السريع باقتحام الكنائس والاستيلاء عليها وتحويلها لمقار عسكرية.
الأمين العام لمجلس الكنائس وثّق حالات استيلاء الدعم السريع على كنائس مثل السيدة العذراء القبطية بالخرطوم، واستخدامها كمراكز لإدارة العمليات، بعد طرد الكهنة والرهبان منها بالقوة.
إلى جانب ذلك، سجلت منظمات وشبكات إعلامية عمليات نهب ممنهج لمحتويات الكنائس، من الأيقونات والكتب المقدسة إلى الأجهزة والممتلكات الخاصة بالمصلّين.
شهادات من الميدان: رعب داخل البيوت والكنائس
تقارير إعلامية أبرزتها منصات دولية كشفت عن قصص عشرات المسيحيين الذين احتموا داخل كنائسهم هربًا من المعارك، قبل أن تتحول هذه الملاذات إلى مصائد تحت القصف والاقتتال.
في إحدى الحالات، حوصر نحو 80 شخصًا داخل كنيسة بحي الشجرة في الخرطوم وسط تبادل إطلاق نار كثيف، مع نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الأساسية.
موقع «عاين» الاستقصائي وثّق انتهاكات مروعة ضد الأقباط في أم درمان، بينها اقتحام كنائس قبطية وأسقفية، وإجبار رجال الدين والمؤمنين على المغادرة تحت تهديد السلاح، بل ووصل الأمر إلى نبش قبور الموتى في بعض الكنائس بحثًا عن الذهب، بحسب شهادات قانونيين وناشطين.
هذه القصص تعكس انتقال الاستهداف من المباني إلى البشر والأحياء والأموات على السواء.
اضطهاد قديم يشتعل من جديدمع أن الدستور الانتقالي بعد 2019 منح المسيحيين هامش حريات أوسع، فإن تاريخ مسيحيي السودان يحمل سجلًا طويلًا من القيود على بناء الكنائس وهدمها بذريعة «التعدي على أملاك الدولة»، إضافة لاعتقال قادة دينيين وإغلاق كنائس في الخرطوم وأطرافها.
الحرب الحالية أعادت هذا السجل المظلم إلى الواجهة، ولكن في سياق أشد دموية، حيث أصبحت الكنائس أهدافًا مباشرة في مرمى النيران بدل أن تكون مجرد موضوع نزاعات قانونية أو إدارية.
منظمات حقوقية إقليمية ودولية عبّرت عن قلق عميق من عودة الاضطهاد الديني بأشكال أكثر عنفًا، محذرة من أن تدمير دور العبادة المسيحية والمساجد على السواء يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني ويمكن أن يصنّف كجريمة حرب إذا ثبت الطابع الممنهج للهجمات.
نداءات لوضع الحريات الدينية على طاولة التفاوض
نشطاء ومحامون سودانيون يطالبون بإدراج ملف الحريات الدينية وحقوق الأقليات، وعلى رأسها المسيحيون، ضمن أي عملية تفاوضية أو تسوية سياسية قادمة، بدل الاكتفاء بالتركيز على تقاسم السلطة بين طرفي الحرب.
دعواتهم تشمل توثيقًا كاملاً للانتهاكات بحق الكنائس، وتعويضات لإعادة بناء دور العبادة المدمرة، ومساءلة القادة العسكريين المسؤولين عن تحويلها إلى ثكنات أو أهداف عسكرية.
في الوقت نفسه، تُوجّه انتقادات حادة للمجتمع الدولي لاقتصار مواقفه غالبًا على بيانات قلق عامة حول الوضع الإنساني، دون تخصيص حقيقي لمعاناة مكونات بعينها كالمسيحيين الذين يعيشون «حربًا منسية» داخل الحرب الكبرى.
وبين صمت البنادق المؤقت وزحف الخراب على المذابح، يبقى سؤال العدالة لمسيحيي السودان معلّقًا بانتظار لحظة يُحاسَب فيها من يحرق الكنائس، لا فقط من يربح المعارك.










