توفي هلي عاصي الرحباني، النجل الأصغر لجميلة الغناء العربي فيروز، في منزله بعد معاناة طويلة مع أزمات صحية معقدة، لتُطوى واحدة من أكثر القصص إنسانية في تاريخ عائلة الرحابنة.
ورحيل هلي جاء بعد أشهر قليلة من وفاة شقيقه الموسيقار زياد الرحباني، ما عمّق جراح فيروز التي فقدت ثلاثة من أبنائها وبقيت ابنتها ريما إلى جوارها.
من هو هلي الرحباني؟
هلي عاصي الرحباني هو الابن الأصغر لفيروز والموسيقار الراحل عاصي الرحباني، وُلد عام 1958 في عائلة تصدّرت المشهد الفني العربي لعقود.
عاش بعيدًا عن الأضواء الفنية والإعلامية، ليبقى اسمه مرتبطًا أكثر بالبعد الإنساني في سيرة فيروز لا بالظهور على المسرح أو التسجيلات
وُلِد هلي وهو يعاني من إعاقة ذهنية وحركية، في وقت رجّحت فيه التقديرات الطبية أن حياته قد لا تطول، ما وضع العائلة أمام اختبار إنساني قاس منذ لحظات ميلاده الأولى.
تحوّل حضور هلي داخل البيت إلى مركز عاطفي خاص، إذ أشارت شهادات قريبة إلى أن فيروز وصفته بأنه من علّمها معنى الحب والتسامح والعطاء.
تفاصيل الوفاة والسبب الطبي
رحل هلي عن عمر ناهز 68–70 عامًا تقريبًا، بعد تدهور حالته الصحية في الأشهر الأخيرة، وهي سنوات تجاوز فيها كل ما تنبأت به التقارير الطبية عند ولادته.
كشفت تقارير لبنانية ومصادر مقربة أن الراحل عانى في الفترة الأخيرة من مشكلات حادة في الكليتين، قبل أن يفارق الحياة في منزله من دون الإعلان عن تفاصيل دقيقة للحظة الوفاة احترامًا لخصوصية العائلة.
تؤكد تقارير صحفية أن وضعه الصحي كان «غير طبيعي» منذ الولادة، وظل في حالة احتياج دائم للرعاية والمتابعة الطبية، ما جعل أي أزمة عضوية جديدة، مثل أزمات الكلى، أكثر خطورة عليه.
ورغم تقدّم الطب خلال العقود الماضية، بقي الملف الصحي لهلي شأنًا عائليًا مغلقًا، في ظل سياسة صمت طويلة انتهجتها فيروز تجاه تفاصيل حياتها الخاصة وأبناءها.
الجنازة ومراسم الوداع
أعلنت أسرة فيروز أن تشييع جثمان هلي سيتم في كنيسة رقاد السيدة في منطقة المحيدثة – بكفيا، وهي الكنيسة نفسها التي شهدت قبل أشهر وداع شقيقه زياد.
حُدِّد الموعد بعد ظهر يوم السبت، على أن يُوارى الثرى في مدافن العائلة، وسط أجواء عائلية يغلب عليها الحزن والصلاة، بعيدًا عن أي مراسم استعراضية أو حشد إعلامي واسع.
تتلقى العائلة العزاء في قاعة الكنيسة قبل التشييع بساعات، في مشهد يعيد لبنان إلى أجواء الحداد الفني والإنساني التي رافقت رحيل زياد الرحباني في صيف العام الماضي.
وزير الإعلام اللبناني بول مرقص وغيرُه من الشخصيات الرسمية والثقافية نعوا الراحل، مؤكدين أن خسارته تأتي بعد أشهر قليلة من فقدان زياد، لعائلة قدّمت للبنان إرثًا فنيًا وإنسانيًا استثنائيًا.
صدمة فيروز ووجع الفقد المتكرر
رحيل هلي ليس حادثة معزولة في دفتر أحزان فيروز؛ فقبله رحلت ابنتها ليال في سن مبكرة، ثم فقدت قبل أشهر ابنها الموسيقار زياد، لتجد نفسها أمام سلسلة فقدان ثقيلة لأبنائها الثلاثة.
لم تصدر عن فيروز أي تصريحات مباشرة، انسجامًا مع طبيعة شخصيتها المنغلقة على حياتها الخاصة، لكن الأوساط الفنية تتحدث عن صدمة مضاعفة تعيشها اليوم بين ذاكرة زياد وغياب هلي.
ريما الرحباني، الابنة الوحيدة الباقية، كانت خلال السنوات الماضية واجهة العائلة إعلاميًا، تدافع عن إرث والدتها الفني وتدير حقوقه، ويتوقع أن تستمر في إدارة المشهد العائلي في هذه اللحظة الحرجة.
مشاهد سابقة لزيارة فيروز قبر زياد، وتداول رواد التواصل الاجتماعي لعبارات قديمة لها عن هلي، أعادت إلى الواجهة صورة «الأم» خلف الأسطورة الغنائية، المحاصرة اليوم بوحدة قاسية.
هلي.. القصة الإنسانية في ظل الأسطورة
سيرة هلي تشكّل أحد أكثر الفصول إنسانية في حياة فيروز، إذ اختارت أن تحيطه برعاية كاملة داخل البيت، بعيدًا عن عدسات الكاميرات، وكأنها تعيد تعريف النجومية من بوابة الأمومة.
تقدّم قصته نموذجًا لعلاقة فنانة عربية كبرى بابن ذي احتياجات خاصة، حيث تحوّلت معاناته الصحية إلى مساحة للتأمل في معنى القوة والصمت والتضحية داخل بيوت النجوم.
رحيل هلي بعد تجاوز كل التوقعات الطبية التي رافقت ولادته، يفتح بابًا واسعًا للحديث عن دور العائلة والرعاية في إطالة عمر أصحاب الإعاقات المزمنة، بعيدًا عن الاستعراض أو المتاجرة الإعلامية.
وبين إرث الرحابنة الموسيقي الذي ملأ العالم ألحانًا، تبقى حكاية هلي الرحباني صفحة خاصة، لا تُقاس بعدد الأغنيات، بقدر ما تُقاس بما تركته من أسئلة إنسانية في قلب فيروز وقلوب محبيها.










