أقالت الرئيسة المؤقتة لفنزويلا ديلسي رودريغيز اللواء خافيير ماركانو تاباتا من جميع مناصبه وأمرت باعتقاله، بعد أن كان الرجل الأقرب أمنيًا إلى نيكولاس مادورو بوصفه قائد الحرس الرئاسي ومدير الاستخبارات العسكرية المضادة DGCIM، في واحد من أول وأكبر الزلازل داخل منظومة الأمن الفنزويلي منذ عملية اعتقال مادورو على يد قوات أميركية.
وتتهمه السلطات حاليًا بـ«الخيانة الجسيمة» و«الإخلال بواجب حماية الرئيس»، وسط تسريبات تتحدث عن تحميله مسؤولية فشل منظومة الإنذار والدفاع خلال الغارة الأميركية التي انتهت بخطف مادورو ونقله إلى نيويورك لمحاكمته بتهم تتعلق بالإرهاب المخدراتي.
من هو اللواء خافيير ماركانو تاباتا؟
اللواء خافيير ماركانو تاباتا يعد واحدًا من أهم ضباط الظل في دولة مادورو، إذ جمع بين رئاسة الحرس الرئاسي وقيادة المديرية العامة للاستخبارات العسكرية المضادة DGCIM، وهي الجهة التي تُتهم منذ سنوات بالوقوف وراء الاعتقالات والتعذيب بحق المعارضين.
تقارير أممية سابقة نسبت إلى هذه المديرية انتهاكات جسيمة شملت التعذيب والعنف الجنسي داخل مراكز احتجاز سرية، ما جعل اسمها مرادفًا لـ«قبضة النظام الحديدية».
كما تؤكد تقارير إعلامية أن ماركانو نفسه خاضع للعقوبات الأميركية والغربية، باعتباره جزءًا من شبكة مسؤولين متهمين بقمع الاحتجاجات وتوفير مظلة حماية أمنية لمادورو خلال السنوات الماضية.
هذه الخلفية جعلت من إقالته واعتقاله حدثًا صادمًا في معسكر الموالاة قبل المعارضة، لأنه كان يُقدَّم دائماً كرجل الثقة في قلب نظام الأمن الرئاسي.
خلفيات الإقالة والاتهام بالخيانة
وفق ما نشرته مواقع عربية ودولية، جاء قرار الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز بعد أيام قليلة من عملية إنزال نفذتها قوات أميركية خاصة في كاراكاس، أسفرت عن اعتقال نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة.
تسري الرواية الرسمية في كاراكاس على أن ماركانو «أخفق» في حماية الرئيس، ولم يفعّل بروتوكولات الدفاع الجوي والإنذار المبكر، ما سهل مهمة القوة الأميركية للوصول إلى مادورو في مقر إقامته.
مصادر إعلامية تذهب أبعد من ذلك، متحدثة عن شبهات «تسريب معلومات حساسة» حول تحركات مادورو ومواقع تحصينه، وهو ما لم يؤكَّد رسميًا لكنه يتردد بقوة في الصحافة وشبكات التواصل باعتباره تفسيرًا رئيسيًا لتحول الرجل من حارس إلى متهم بالخيانة.
في المقابل، يرى محللون أن تحميل ماركانو وحده المسؤولية يأتي في إطار «البحث عن كبش فداء» لتبرير عجز المنظومة الأمنية والعسكرية بأكملها عن التصدي للغارة.
تفاصيل قرار العزل والاعتقال
التقارير تشير إلى أن الرئيسة المؤقتة أصدرت أوامرها بفصل ماركانو من منصبه فورًا واعتقاله، في خطوة جرى تسريبها أولاً عبر وسائل إعلام محلية وصفحات قريبة من السلطة قبل أن تتحول إلى خبر رسمي يتداوله الإعلام الدولي.
وزارة الإعلام في كاراكاس اكتفت بالإشارة إلى «إعادة هيكلة داخلية في صفوف القيادات الأمنية»، فيما تولّت تسريبات أخرى نَسب تهمة «الخيانة في أداء الواجب الأمني» مباشرة إلى ماركانو.
جرى بالتوازي الإعلان عن تعيين اللواء غوستافو غونزاليس لوبيز، وهو جنرال يخضع بدوره لعقوبات أميركية، على رأس الحرس الرئاسي وقيادة DGCIM، في إشارة إلى أن السلطة المؤقتة لا تنوي تغيير طبيعة المنظومة الأمنية بقدر ما تسعى لاستبدال الوجوه المحيطة بمادورو
ويرى مراقبون أن اختيار شخصية متشددة جديدة يؤكد تفضيل رودريغيز إحكام قبضتها الأمنية في مواجهة الضغوط الأميركية والاضطرابات الداخلية.
أبعاد سياسية وأمنية أوسع
تقارير غربية، بينها تحليلات في الصحافة الإسبانية والإنجليزية، تضع اعتقال ماركانو في إطار عملية أوسع لإعادة ترتيب الدائرة الأمنية المحيطة بالرئيسة المؤقتة، وضمان ولاء القيادات في ظل احتمال استمرار الضغوط العسكرية أو فرض شروط أميركية إضافية.
بعض هذه التقارير تحدث عن أن إقالة الجنرال تم تسويقها للرأي العام باعتبارها «دليل حزم» من رودريغيز، وفي الوقت نفسه رسالة طمأنة لواشنطن بأن كاراكاس تعاقب المسؤولين عن «فشل حماية مادورو».
في الشارع الفنزويلي، تتصدر قضية ماركانو النقاشات السياسية على المنصات الرقمية، حيث ينقسم الخطاب بين من يرى في اعتقاله خطوة متأخرة لتفكيك آلة القمع، ومن يعتبره مجرد تبادل أدوار داخل نظام واحد يغيّر أسماء الجنرالات لكنه يبقي على سياسات الأمن ذاتها.
هذه الانقسامات تعكس حالة السيولة التي يعيشها المشهد الفنزويلي بعد سقوط مادورو وظهور قيادة مؤقتة تحاول تثبيت شرعيتها داخليًا وخارجيًا في آن واحد.
ما الذي ينتظر ماركانو والنظام؟
حتى الآن، لم تُعلن تفاصيل رسمية عن لائحة الاتهام الكاملة ضد اللواء خافيير ماركانو تاباتا أو عن موعد مثوله أمام القضاء، ما يفتح الباب أمام سيناريوهين رئيسيين: محاكمة علنية يُقدَّم فيها كـ«خائن» لتحميله وزر المرحلة السابقة، أو تسوية داخلية تُستخدم كورقة تفاوض مع أطراف دولية أو داخلية.
محللون يشيرون إلى أن مصير ماركانو سيشكّل مؤشرًا مهمًا على مدى جدية القيادة المؤقتة في إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية أم الاكتفاء بعملية تبديل رمزي لأسماء الجنرالات.
في كل الأحوال، يمثل سقوط اللواء خافيير ماركانو تاباتا ضربة معنوية قوية للدائرة الأمنية التي أحاطت بمادورو لسنوات، ويبعث رسالة لبقية القيادات بأن مرحلة «المسؤول الذي لا يُمس» قد انتهت.
وبين اتهامات الخيانة، وتصفية الحسابات داخل الأجهزة، وضغوط واشنطن المتصاعدة، يبدو ملف ماركانو عنوانًا مبكرًا لصراع طويل على شكل السلطة والأمن في فنزويلا ما بعد مادورو.










