نهاية “الاحتواء الناعم”.. ألمانيا تتقدم الصف الأوروبي في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين
ألمانيا تتصدر أوروبا في مواجهة “الإخوان” بعد عقود من التسامح والاحتواء الناعم
شهدت أوروبا تحوّلًا جذريًا في تعاملها مع جماعة الإخوان المسلمين، بعد عقود من سياسات التسامح والاحتواء، لتبرز ألمانيا كأكثر الدول نشاطًا في مواجهة ما يُعرف بالإسلام السياسي، في خطوة قد تعيد تشكيل المشهد الأمني والسياسي الأوروبي.
تحرك أمني وتشريعي حاسم
في نوفمبر 2025، أعلنت وزارة الداخلية الألمانية حظر جماعة “مسلم إنتراكتيف”، وداهمت الشرطة مئات المواقع في هامبورغ وبرلين وولاية هيسن المرتبطة بالجماعة. ووصفت السلطات الجماعة بأنها تهدد النظام الدستوري الألماني عبر نشر خطاب معادٍ للسامية وتمييز ضد النساء والأقليات، إضافة إلى محاولة “خلق أعداء دائمين للدستور” ضمن خطة ممنهجة لتقويض النظام.
وفي يناير 2026، بدأ البرلمان الألماني (البوندستاغ) مناقشة مشروع قانون تاريخي لحظر جماعة الإخوان بشكل نهائي، بدعم من حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD)، بعنوان: “ضمان الأمن الداخلي طويل المدى: مكافحة الجريمة والإرهاب ومعاداة السامية”. ويستهدف المشروع المنظمات الإسلامية المرتبطة بالإخوان مثل جمعية المجتمع المسلم الألماني (DMG)، ويفرض رقابة مشددة على برامج تدريب الأئمة والنفوذ الأجنبي داخل الجمعيات الدينية.
تشديد المراقبة والرقابة المالية
كشفت التقارير الألمانية أن الجماعة حاولت تصوير نفسها كبديل “غير ضار” للتنظيمات المتشددة مثل داعش والقاعدة، لكن السلطات كثفت المراقبة على أكثر من 50 مركزًا تعليميًا مرتبطًا بالإخوان، وأعادت توجيه نحو 2.3 مليون يورو من التمويل الفيدرالي بعيدًا عن المنظمات المرتبطة بها.
وفي تطور قضائي مهم، أدانت محكمة ألمانية سعد الجزار، رئيس مركز “مروة الشربيني” الثقافي في دريسدن، بتهمة اختلاس تبرعات قيمتها 13 ألف يورو، وهو ما يُظهر الدور المركزي للجزار داخل شبكة الإخوان في ألمانيا وأهمية الرد القضائي على التمويل والدعاية للجماعة.
المراكز الإسلامية تحت المراقبة
وفي يوليو 2024، حظرت ألمانيا المركز الإسلامي في هامبورغ (IZH) والمنظمات التابعة له، لارتباطه بأهداف إسلامية متطرفة وتمثيله المباشر للمرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، والسعي لإحداث “ثورة إسلامية” في ألمانيا. وفي سبتمبر من العام نفسه، تم حظر مركز مشابه في ولاية براندنبورغ لتورطه مع حماس والإخوان المسلمين، وتم تصنيفه كمنظمة متطرفة من قبل مكتب حماية الدستور.
النموذج الألماني وإمكانية تعميمه في أوروبا
يعكس التحرك الألماني نهجًا صارمًا في مواجهة جماعات الإسلام السياسي، مستفيدًا من التجربة النمساوية التي حظرت الإخوان رسميًا منذ عام 2021، وأثبتت نجاحها في السيطرة على أنشطة التنظيم دون إحداث اضطرابات اجتماعية.
كما يتقاطع الملف الألماني مع مسارات فرنسية وبريطانية أوروبية لتوحيد المقاربة القانونية ضد الإخوان، ومنعهم من استغلال الفوارق بين الأنظمة الوطنية لمواصلة نشاطهم التنظيمي عبر الحدود. ويشير خبراء إلى أن القرار الألماني يشكل اختبارًا لقدرة دولة مركزية على كسر شبكة الإخوان في أوروبا، ويعد سابقة قانونية مهمة ستؤثر على السياسات الأوروبية المقبلة تجاه الجماعة.
خلفية أيديولوجية وأمنية
تقول الدراسات الفرنسية والألمانية، إن الإخوان استغلوا سنوات من التسامح الإداري لبناء رأس مال اجتماعي ومستوى نفوذ داخل المؤسسات التعليمية والدينية، ما خلق “تمثيلًا ذاتيًا” مستقلاً عن الدولة، وهو ما كان يعرقل الرقابة على نشاطهم. التحول الحالي يعكس إدراك الدول الأوروبية لضرورة اتخاذ إجراءات مؤسساتية لحماية النظام الدستوري والفضاء المدني من النفوذ المتنامي للإخوان.
في ضوء هذه التحركات، تتجه أوروبا، بقيادة ألمانيا، نحو نهج أكثر صرامة وموحدًا تجاه جماعة الإخوان المسلمين، مع التركيز على تعزيز الأمن الداخلي، مراقبة التمويل، وتقييد النشاط الأيديولوجي المتطرف، وهو ما يشير إلى بداية مرحلة جديدة تمامًا بعد عقود من “الاحتواء الناعم”.










