تحركات قانونية وأمنية متسارعة لإغلاق شبكات التنظيم داخل المجتمع المدني ومنع تواجده عبر واجهات قانونية جديدة
فرنسا تتحرك لتجريم جماعة الإخوان عبر مسار تشريعي وأمني يهدف إلى إدراج التنظيم على لوائح الإرهاب الأوروبية، وتشديد الرقابة على الجمعيات والتمويل وإغلاق شبكات النفوذ داخل المجتمع المدني.
في تحول لافت داخل المشهد السياسي الفرنسي، تتجه باريس نحو تشديد غير مسبوق على جماعة الإخوان المسلمين، عبر مسار تشريعي منظم يهدف إلى نقل التنظيم من مساحة الجدل السياسي إلى خانة التصنيف الأمني الصريح. تحركات البرلمان، المدعومة بتقارير أمنية ومعطيات مالية وتنظيمية، تعكس قناعة متزايدة بأن نشاط الجماعة لم يعد مجرد عمل جمعياتي أو ديني، بل شبكة نفوذ موازية تمس تماسك الدولة وقدرتها على ضبط المجال العام.
البرلمان يدفع الملف إلى المستوى الأوروبي
ناقشت لجان برلمانية فرنسية خلال الأسابيع الأخيرة مشروع قرار يدعو إلى العمل على إدراج جماعة الإخوان ضمن القوائم الأوروبية للمنظمات الإرهابية. المبادرة، التي يقودها نواب من التيار المحافظ، تستهدف نقل المواجهة من الإطار الوطني إلى ساحة أوروبية أوسع، بهدف منع انتقال نشاط التنظيم بين الدول الأعضاء مستفيدًا من الفوارق القانونية.
مصادر برلمانية تؤكد أن الملف لم يعد يحتمل المعالجة الجزئية، وأن النقاش بات يستند إلى وثائق ميدانية تشمل خرائط تمويل، وهياكل تنظيمية، ومسارات تأثير داخل مؤسسات محلية وجمعيات تعليمية ودينية.
شبكات مرنة واستراتيجية إعادة التموضع
تشير تقديرات رسمية إلى أن الجماعة نجحت لسنوات في بناء منظومة جمعيات واجهة قادرة على تغيير أسمائها وهياكلها القانونية عند كل تشديد رقابي، ما سمح لها بالحفاظ على حضورها داخل بعض البيئات المحلية. هذا النمط من العمل، بحسب مصادر أمنية، يُنظر إليه اليوم كمنظومة نفوذ منظمة تسعى لفرض قواعدها الخاصة داخل المجال العام.
البرلمان يعمل حاليًا على مراجعة تشريعات الجمعيات، وتشديد شروط التمويل والشفافية، بهدف سد الثغرات التي استُخدمت سابقًا للالتفاف على الرقابة.
مناورات تشريعية لإغلاق الثغرات
الكتل البرلمانية الداعمة للتشديد ترى أن التجارب السابقة أثبتت فشل الحلول الجزئية، حيث كانت كيانات تُحل شكليًا ثم تعود للعمل بسرعة عبر واجهات جديدة. لذلك، يجري إعداد حزمة قوانين تركز على:
• توسيع صلاحيات الدولة في مراقبة التمويل الخارجي.
• فرض رقابة صارمة على الجمعيات ذات الطابع الديني والثقافي.
• إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والتعليم الخاص.
• تسريع إجراءات الحل الإداري للكيانات المخالفة.
الهدف المعلن هو منع أي قدرة مستقبلية على إعادة تدوير الشبكات التنظيمية تحت مسميات قانونية مختلفة.
الأمن الداخلي يتدخل
مصادر مطلعة على ملفات الأمن الداخلي كشفت عن رصد محاولات منظّمة للتغلغل داخل الحياة المحلية عبر علاقات مع بلديات، وإدارة مرافق تعليمية خاصة، والسيطرة التدريجية على إدارات جمعيات دينية. وترى السلطات أن هذا السلوك يقوّض حيادية الفضاء العام ويتعارض مع النموذج الجمهوري الفرنسي.
وزارة الداخلية تعمل على إعداد ملفات قانونية مدعومة بأدلة مالية وتنظيمية تمهيدًا لاتخاذ إجراءات مباشرة بحق عدد من الكيانات المرتبطة بالتنظيم.
البعد الأوروبي… اختبار للتماسك القانوني
التحرك الفرنسي يتقاطع مع نقاشات أوسع داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع تنظيمات الإسلام السياسي. خبراء أمنيون يرون أن غياب التنسيق القانوني بين الدول الأعضاء سمح للتنظيمات بإعادة توزيع نشاطها عبر الحدود، ما جعل الإجراءات الوطنية محدودة التأثير.
باريس تسعى الآن لقيادة مسار أوروبي موحد يمنع هذا “التنقل التنظيمي”، ويفرض إطارًا قانونيًا مشتركًا يغلق الفجوات بين الأنظمة التشريعية المختلفة.
نهاية مرحلة التسامح الإداري
باحثون في علم الاجتماع السياسي يعتبرون أن الدولة الفرنسية وصلت إلى قناعة متأخرة بأن سياسة التساهل الإداري سمحت للجماعة ببناء نفوذ اجتماعي مستقل عن مؤسسات الدولة، وهو ما يتناقض مع فلسفة المواطنة الفردية التي يقوم عليها النموذج الجمهوري.
التحول الحالي لا يعكس مجرد رد فعل أمني، بل إعادة تعريف لدور الدولة في ضبط المجال الديني والمدني، ومنع تشكّل وسطاء جماعيين خارج الإطار المؤسساتي.
إلى أين يتجه المشهد؟
المؤشرات تؤكد أن فرنسا ماضية في مسار تصعيدي طويل الأمد، قد ينتهي بتصنيف أوروبي رسمي لجماعة الإخوان، وتشديد القيود القانونية على شبكاتها داخل القارة. نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة باريس على حشد دعم سياسي أوروبي واسع، وتجاوز الانقسامات القانونية بين الدول الأعضاء.










