حقول الغاز فى شرق المتوسط لم تعد ثروة …. بل أداة صراع ورسم النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية
لم يعد غاز شرق البحر المتوسط مجرد مورد طاقة واعد، بل تحوّل إلى عنوان رئيسي لصراع سياسي وأمني متشابك، تتقاطع فيه الحسابات الإقليمية مع مصالح القوى الدولية، في مشهد تتداخل فيه الخرائط البحرية مع موازين القوة، وتختلط فيه الاستثمارات النفطية بالتحالفات العسكرية والضغوط الدبلوماسية.
فمع تسارع الاكتشافات الغازية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية، ارتفعت حدة التوتر بين دول الحوض الشرقي للمتوسط، لتتحول المنطقة إلى ساحة تنافس مفتوح على الثروة والنفوذ، انعكس في شكاوى متبادلة أمام الأمم المتحدة، وتحركات دبلوماسية مكثفة، ورسائل سياسية لا تخلو من التلويح بالقوة.
الغاز… من ثروة طبيعية إلى أداة صراع
يشير خبراء إلى أن جوهر الصراع لا يتمحور فقط حول مكامن الغاز، بل حول إعادة رسم موازين القوى في شرق المتوسط. فتركيا، التي تسعى إلى كسر ما تعتبره «حصارًا جغرافيًا» مفروضًا عليها، ترى في تحالفها مع ليبيا ركيزة استراتيجية للتمدد البحري وتعزيز نفوذها الطاقوي. في المقابل، تتحصن اليونان ومصر وقبرص بتحالفات قانونية وسياسية مدعومة أوروبيًا، تمتد من أثينا إلى القاهرة وصولًا إلى تل أبيب.
وبذلك، بات حوض شرق المتوسط أشبه بـ«مرجل سياسي» يغلي على نار المصالح المتضاربة، حيث تبدو معركة الغاز عنوانًا ظاهريًا لنزاع أعمق يتعلق بالسيادة والهيمنة الإقليمية، وفق قراءات خبراء عرب ودوليين حذروا من أن المنطقة مرشحة لصراع جيوسياسي طويل الأمد.
كيف بدأت الأزمة؟
تعود جذور النزاع إلى مطلع الألفية الجديدة، مع توالي الاكتشافات الغازية الكبرى التي حوّلت شرق المتوسط من مجرد ممر ملاحي إلى خزان طاقة عالمي. وبلغ التوتر ذروته مع اكتشاف حقول ضخمة قبالة سواحل فلسطين بين عامي 2009 و2010، وعلى رأسها حقلا «تمار» و«ليفياثان».
ثم جاء اكتشاف قبرص لحقل «أفروديت» عام 2011 ليشعل شرارة جديدة من الخلاف، بعدما اعترضت تركيا على عمليات التنقيب التي تجريها «جمهورية قبرص» دون اتفاق مع «جمهورية شمال قبرص التركية»، في نقطة تحوّل جذبت أنظار الإقليم والعالم إلى الثروات الكامنة تحت مياه المتوسط.
ومع تسارع الاكتشافات، وعلى رأسها حقل «ظهر» العملاق قبالة السواحل المصرية، تعززت أهمية المنطقة استراتيجيًا، لتنتقل الخلافات من نطاق فني وقانوني إلى استقطاب سياسي وعسكري واضح، خاصة بعد توقيع مذكرة التفاهم البحرية بين أنقرة وحكومة طرابلس نهاية عام 2019.
مذكرة تركيا – ليبيا… نقطة الانفجار
اعتبرت اليونان ومصر وقبرص مذكرة التفاهم التركية – الليبية «انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي»، متهمة أنقرة بمحاولة فرض أمر واقع بحري يضرب حقوق الدول الأخرى. ومنذ تلك اللحظة، دخل الصراع مرحلة أكثر خطورة، تجلت في استعراضات بحرية، وتحركات دبلوماسية مكثفة، وتدويل متزايد للأزمة.
وعادت الأزمة إلى الواجهة بقوة في يونيو 2025، عندما أعلنت اليونان فتح باب العروض الدولية للتنقيب عن الهيدروكربونات جنوب جزيرة كريت، وهو ما أثار غضب حكومتي غرب وشرق ليبيا، اللتين اعتبرتا الخطوة «انتهاكًا مباشرًا للحقوق السيادية الليبية».
خرائط متصادمة… وسباق لفرض الأمر الواقع
تشهد المرحلة الراهنة سباقًا محمومًا بين أطراف النزاع لرسم خرائط بحرية جديدة، في محاولة لفرض وقائع قانونية وسياسية على الأرض. فتركيا ترفض الاعتراف بتفسير اليونان وقبرص لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتعارض منح الجزر – مثل كاستيلوريزو – مناطق اقتصادية خالصة، معتبرة ذلك اغتصابًا لحقوقها وحقوق القبارصة الأتراك.
في المقابل، تتهم أثينا أنقرة بمحاولة السيطرة على «أراضٍ يونانية» دون سند قانوني، بينما ترى تركيا أن التحركات اليونانية أحادية الجانب ومخالفة للقانون الدولي، في تصعيد وصفه محللون بأنه «برميل بارود قابل للانفجار».

دور أوروبا والتحذير من التصعيد العسكري
خلف هذا الاشتباك، يبرز الاتحاد الأوروبي لاعبًا رئيسيًا، يسعى لحماية مصالحه الطاقوية والأمنية، خاصة في ظل مساعيه لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي. ويؤكد الخبير الدولي في اقتصاديات الطاقة ممدوح سلامة أن اليونان، المدعومة أوروبيًا، «لن تتهاون مع أي محاولات تركية أو ليبية لاختراق منطقتها الاقتصادية الخالصة».
ويحذر سلامة من أن أي إصرار تركي على انتهاك المياه اليونانية قد يقود إلى تصعيد عسكري خطير في البحر المتوسط، لا سيما في ظل هشاشة التوازنات الإقليمية.
قبرص… جزيرة منقسمة ونقطة اشتعال دائمة
تظل قبرص إحدى أكثر نقاط النزاع حساسية، إذ تنقسم الجزيرة منذ عام 1974 بين شطر معترف به دوليًا، وآخر لا تعترف به سوى أنقرة. وترى تركيا أن أي تنقيب قبرصي دون اتفاق مع القبارصة الأتراك هو تعدٍّ على حقوقهم، بينما تعتبر نيقوسيا أن أنقرة تستخدم الملف القبرصي ذريعة لتوسيع نفوذها البحري.
ليبيا بين الضغوط والمناورة
في كواليس الصراع، تسعى أنقرة إلى كسب دعم المشير خليفة حفتر للتصديق على مذكرة التفاهم البحرية، في مقابل تحركات يونانية مضادة لإقناع البرلمان الليبي بإلغائها. وأدى هذا التجاذب إلى توتر دبلوماسي بلغ حد استدعاء القنصل اليوناني في بنغازي.
ويرى خبراء أن ليبيا تمتلك هامش مناورة يسمح لها بعدم التعجل في استغلال المناطق المتنازع عليها، في ظل توفر موارد بديلة، ما يمنحها وقتًا لتأجيل المواجهة بانتظار تسوية أوسع في المثلث التركي – المصري – اليوناني.
شكاوى أممية… وصراع قانوني مفتوح
كشفت المذكرات المقدمة إلى الأمم المتحدة من ليبيا ومصر واليونان وقبرص عن حجم النزاع القانوني والسياسي حول حقوق التنقيب. فطرابلس أعلنت رسميًا حدود جرفها القاري، واعتبرت التراخيص اليونانية «إجراءات أحادية غير قانونية»، بينما ردت أثينا بأن المطالب الليبية «لا تستند إلى أساس قانوني».
مكامن الغاز… أرقام ضخمة وصراع أكبر
تشير تقديرات رسمية إلى احتياطيات تصل إلى 122 تريليون قدم مكعب من الغاز، بينما ترفع دراسات أخرى الرقم إلى 300 تريليون قدم مكعب، ما يفسر حدة التنافس. وقد دفع ذلك إلى تأسيس «منتدى غاز شرق المتوسط» عام 2020، بمقره القاهرة، في محاولة لتنظيم التعاون الإقليمي.
الغاز والسيادة… من الاقتصاد إلى الأمن
لم يعد الصراع اقتصاديًا بحتًا، بل انتقل إلى صدام حول السيادة البحرية. فتركيا تروّج لمشروع «الوطن الأزرق»، بينما يتمسك الاتحاد الأوروبي بقانون البحار. أما إسرائيل، فتعتمد سياسة «دبلوماسية الأنابيب» لخلق اعتماد متبادل يقلل احتمالات المواجهة العسكرية.
تحالفات عسكرية ورسائل ردع
في ديسمبر 2025، أعلنت إسرائيل واليونان وقبرص تعميق تعاونها الأمني، في خطوة رآها مراقبون تأسيسًا لمظلة ردع في شرق المتوسط، بينما وصفتها «شمال قبرص التركية» بمحاولة لنقل الاضطراب إلى المنطقة.
إلى أين يتجه الصراع؟
بين التحكيم الدولي وخيار القوة، تتباين الرؤى. فبينما يرى بعض الخبراء أن محكمة العدل الدولية قد تكون المخرج السلمي الوحيد، يحذر آخرون من أن غياب الضغوط الدولية الجدية قد يدفع الأطراف إلى حافة المواجهة.
وفي قراءة ختامية، يرى اللواء سمير فرج أن النزاع المقبل في المنطقة «لن يكون عسكريًا تقليديًا فقط، بل اقتصاديًا وتجاريًا في المقام الأول»، مؤكدًا أن غاز المتوسط بات محور صراع استراتيجي يهدد أمن المنطقة بأكملها.










