أزمة العراق تتصاعد مع فتح المبعوث الأميركي ملف الأموال المهرّبة ومفاجأة رئيس الوزراء السابق بتنازله عن تشكيل الحكومة، ما يهدد التوافق الشيعي ويضع البلاد أمام تحديات سياسية واقتصادية كبرى
بغداد – تشهد الساحة العراقية توتراً سياسياً غير مسبوق بعد إعلان رئيس الوزراء العراقي الفائز بالانتخابات محمد شياع السوداني تنازله عن حقه في تشكيل الحكومة لصالح المرشح الثاني نوري المالكي، خطوة مفاجئة أثارت ارتباكاً داخل «الإطار التنسيقي» الشيعي وأعادت ترتيب الأولويات السياسية للكتل الكبرى.
وفي الوقت ذاته، أعلن المبعوث الأمريكي الخاص إلى العراق، مارك سافايا، عن بدء مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في البلاد، بالتعاون مع وزارة الخزانة الأمريكية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، تمهيداً لعقوبات محتملة تستهدف شبكات تُقوض النزاهة المالية وتُموّل أنشطة إرهابية، وفق بيان رسمي صادر عن السفارة الأمريكية في بغداد.
مراجعة الأموال المشبوهة: تحذير من عقوبات مرتقبة
وقال سافايا: «نبحث التحديات الرئيسية وفرص الإصلاح في المصارف الحكومية والخاصة، مع التركيز على الحوكمة المالية والامتثال والمساءلة المؤسسية»، مؤكداً أن الجانبين اتفقا على «إجراء مراجعة شاملة لسجلات المدفوعات والمعاملات المالية المرتبطة بالتهريب وغسل الأموال والعقود الاحتيالية التي تموّل الإرهاب».
وأشار سافايا إلى أن «العلاقة بين العراق والولايات المتحدة لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم في ظل قيادة الرئيس دونالد ترمب»، في رسالة واضحة على جدية الإدارة الأمريكية في متابعة الملفات المالية والسياسية في العراق.
العراق بين الاستقرار والسياسات الأمريكية
يرى سياسيون عراقيون أن خطوة سافايا تحمل رسالة قوية إلى القيادات العراقية حول الحاجة لتشكيل حكومة تحظى بمقبولية دولية، بعيداً عن المحاصصة الطائفية أو مشاركة القوى المسلحة في المناصب العليا.
وقال لؤي الخطيب، وزير الكهرباء الأسبق: «الخيارات التي سيعتمدها الإطار التنسيقي ستحدد موقف العراق تجاه المجتمع الدولي والولايات المتحدة، وما إذا كانت العلاقة سترتبط باستقرار اقتصادي وسياسي أم ستكون مهددة بالعقوبات».
وأضاف أن العراق يواجه «مشهداً سياسياً مرتبكاً، وأزمة اقتصادية حادة، في حال تمسك القيادات الحالية بسياسات تقليدية أثبتت فشلها».
عقدة رئيس الوزراء: مفاجأة السوداني تهز الإطار الشيعي
كان من المتوقع أن يرشح الإطار الشيعي رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لمنصب رئاسة الحكومة، وفق ترتيب مسبق مع السوداني. إلا أن خطوة الأخير بالتنازل فجأة أدت إلى خلافات داخلية، وأعادت طرح تساؤلات حول الدور الأمريكي في تشكيل الحكومة وموقفه من مشاركة القوى المسلحة التي تمتلك أكثر من 80 مقعداً في البرلمان العراقي.
ويشير مراقبون إلى أن الرسائل الأمريكية الواضحة، سواء من سافايا أو القائم بالأعمال جوشوا هاريس، توضح أن الإدارة الأمريكية لن تقبل بأي حكومة تضم هذه القوى، كما أنها تضع العراق أمام مسارين حاسمين: إما تحديد علاقة واضحة مع واشنطن وإما مواجهة عقوبات أمريكية قد تصل إلى استهداف مسؤولين بارزين.
ملفات خطيرة: الأموال والمراقبة والعقوبات
ويضيف أستاذ الإعلام الدولي بجامعة الكوفة، الدكتور غالب الدعمي، أن الرسائل الأمريكية تعتبر «تحذيراً صريحاً لإصدار عقوبات ضد شخصيات عراقية بارزة»، مشيراً إلى أن «أي تقاعس أو انقسام داخلي في اتخاذ القرارات سيجعل العراق معرضاً لعقوبات صارمة، ويزيد من صعوبة تشكيل حكومة فعالة ومستقرة».
ويأتي هذا التطور بينما يواصل العراق التعامل مع تحديات مالية وسياسية ضخمة، تشمل تفشي الفساد، ونقص السيولة في المصارف، وضغوط اقتصادية خانقة، ما يجعل مسألة الشفافية المالية وإصلاح المؤسسات الحكومية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.










