من محاربة الرشوة إلى هندسة الولاء: كواليس معاقبة ملايين المسؤولين في الصين
الحملة الواسعة التي يقودها الرئيس الصيني شي جين بينغ ضد الفساد حوّلت جهاز الدولة إلى ورشة تفتيش ومحاسبة دائمة، مع الإعلان عن معاقبة ملايين المسؤولين والحزبيين خلال العقد الماضي في واحدة من أضخم عمليات «تطهير» إداري وسياسي في التاريخ الحديث.
أرقام الهيئات الرقابية تشير إلى أن عدد المسؤولين الذين خضعوا للتحقيق أو طالتهم إجراءات انضباطية أو قضائية منذ 2012 تجاوز بالفعل عدة ملايين، ما يعكس حجم الفساد المتراكم، وفي الوقت نفسه يثير أسئلة عن البعد السياسي لهذه الحملة وحدود جدواها الحقيقية في تجفيف منابعه.
أرقام غير مسبوقة في حرب الفساد
منذ توليه السلطة عام 2012، أطلق شي جين بينغ حملة شعارهـا «اصطياد النمور والذباب»، أي استهداف كبار المسؤولين وصغارهم معًا، وامتدت هذه الحملة على مدار أكثر من عقد متواصل.
وفق بيانات اللجنة المركزية لفحص الانضباط واللجنة الوطنية للرقابة، تم التحقيق في أكثر من 4.39 مليون قضية و«معاقبة» نحو 4.7 مليون شخص بحلول منتصف 2022، وهو رقم يعطي تصورًا عن اتساع دائرة الاستهداف داخل الحزب والدولة.
دراسات وتحليلات مستقلة تشير إلى أن العدد الإجمالي للمسؤولين والحزبيين الذين تم اتخاذ إجراءات ضدهم – بين تحقيق وتأديب ومحاكمة – منذ انطلاق الحملة تجاوز 5.7 مليون عضو بحلول نهاية 2024، مع استمرار تسجيل مئات الآلاف سنويًا.
وفي عام 2025 وحده، كشف التقرير السنوي للهيئات الرقابية عن فتح أكثر من مليون قضية فساد، انتهت بمعاقبة ما يقرب من 983 ألف شخص، بينهم عشرات المسؤولين من مستوى وزراء ومحافظين ورؤساء هيئات كبرى.
هذه الأرقام المتراكمة تقترب من سقف سبعة ملايين حالة خضعت لشكل من أشكال العقاب أو الإجراءات التأديبية منذ بدء الحملة، ما يعزز صورة «الاجتثاث الشامل» التي يروّج لها الإعلام الرسمي.
بين تطهير فعلي وتصفية سياسية
الخطاب الرسمي الصيني يقدّم الحملة باعتبارها «انتصارًا ساحقًا» على الفساد، ويؤكد أن الهدف هو جعل المسؤول «غير قادر وغير راغب في أن يكون فاسدًا» عبر منظومة ردع قاسية تشمل التحقيقات الداخلية والمحاكمات العلنية.
لكن محللين يرون أن استمرار ارتفاع أعداد المعاقَبين بعد أكثر من عشر سنوات يطرح تساؤلات عن مدى نجاح الحملة في إصلاح البيئة المؤسسية، أم أنها تحولت إلى أداة دائمة للسيطرة والإخضاع أكثر من كونها معالجة جذرية للخلل.
تقارير بحثية تشير إلى أن الضربات الكبرى طالت مئات من كبار الكوادر، بينهم وزراء، ومحافظو أقاليم، وقادة في الشركات المملوكة للدولة، وضباط رفيعو المستوى في الجيش، ما يعني إعادة تشكيل واضحة لهرم السلطة داخل الحزب الشيوعي.
هذه الصورة دفعت بعض المراقبين إلى وصف الحملة بأنها «مزيج بين مكافحة الفساد وتطهير الخصوم»، حيث يَصعُب في نظام مغلق الفصل التام بين ملاحقة التجاوزات الإدارية ومراكمة الولاء السياسي لزعيم واحد.
تفاصيل آليات العقاب وأنواع المخالفات
الهيئات المعنية بمكافحة الفساد – وعلى رأسها اللجنة المركزية لفحص الانضباط واللجنة الوطنية للرقابة – تمتلك صلاحيات واسعة للتحقيق مع أعضاء الحزب والمسؤولين في مختلف مستويات الدولة، من البلديات الصغيرة إلى الوزارات والمؤسسات السيادية.
العقوبات لا تقتصر على قضايا الرشوة والاختلاس التقليدية، بل تمتد إلى ما يُعرف بمخالفات «الانضباط الحزبي»، كاستغلال النفوذ، وإساءة استخدام الموارد العامة، والسفر الفاخر، وتنظيم حفلات وزيجات «مُترفة» وتمويلها من المال العام.
في عام 2025 مثلًا، تحدّثت البيانات الرسمية عن معاقبة عشرات الآلاف على مخالفات مرتبطة بـ«لوائح الثماني نقاط» التي تحظر البذخ والاستعراض من قِبل المسؤولين، إلى جانب التحقيق في عشرات الآلاف من حالات تقديم الرِشا من رجال أعمال ومسؤولين وسطاء.
كما تشير الأرقام إلى ارتفاع مستمر في عدد كبار المسؤولين – «النمور» – الذين يتم فتح ملفاتهم؛ ففي 2025 وحده تم وضع أكثر من مئة مسؤول على مستوى وزير أو محافظ قيد التحقيق التأديبي، وهو أعلى رقم خلال سنوات.
كلفة سياسية واجتماعية للحملةعلى الصعيد الشعبي، منحت حملة مكافحة الفساد شي جين بينغ رصيدًا مهمًا لدى قطاع من المواطنين الذين رأوا فيها محاولة لضبط سلوك النخبة التي راكمت ثروات ونفوذًا بعيدًا عن المحاسبة.
غير أن الانتقاد الرئيس الذي يطرحه باحثون هو أن تركيز السلطة في يد الأجهزة الرقابية الحزبية والقضائية المُسيطر عليها من القيادة العليا يخلق مناخ خوف داخل البيروقراطية، وقد يدفع المسؤولين إلى ما يُسمى «اللامغامرة» الإدارية خشية الوقوع تحت طائلة التحقيق لأي قرار جريء.
كما أن الحجم الضخم لعدد المعاقَبين يكشف عن عمق الفساد البنيوي في جهاز الدولة، لكنه يفتح أيضًا باب التساؤل: إذا كانت ملايين المواقع الوظيفية قد شملتها التحقيقات والعقوبات، فهل تمت معالجة البيئة التي تنتج الفساد أم جرى فقط استبدال شبكات نفوذ بأخرى أكثر ولاءً للمركز؟
بعض التقارير الغربية الاستخباراتية والبحثية ترى أن الحملة باتت جزءًا من «بنية الحكم» في عهد شي، تُستخدم بشكل دوري لضبط الإيقاع الداخلي في الحزب ومنع تشكل مراكز قوة موازية.
ما وراء الأرقام: بين صورة الزعيم وواقع الدولة
من زاوية رمزية، يحرص الخطاب الرسمي على إبراز شي جين بينغ باعتباره «الرئيس الذي عاقب الملايين لإنقاذ الحزب والدولة من الفساد»، في رسالة موجّهة للداخل والخارج مفادها أن النظام يمتلك القدرة على التجدد الذاتي دون الحاجة لإصلاحات سياسية عميقة.
لكن هذه الرواية تواجه نزعة نقدية متنامية في التحليلات الخارجية، التي تعتبر أن استمرار الحاجة لمعاقبة مئات الآلاف سنويًا دليل على أن المرض أعمق من أن تعالجه حملات موسمية مهما كانت قاسية.
في المحصلة، فإن معاقبة ملايين المسؤولين في الصين تحت شعار مكافحة الفساد تحمل وجهين متناقضين: وجهًا إصلاحيًا يضرب شبكات الاستغلال والرشوة، ووجهًا سلطويًا يعزز إمساك القيادة المركزية بكل الخيوط.
وبين هذين الوجهين، تبقى الحقيقة الأبرز أن جهاز الدولة الصيني يعيش منذ أكثر من عقد تحت «رقابة قصوى»، حيث يمكن أن تتحول أي ترقية أو قرار أو توقيع بسيط إلى بداية ملف تحقيق قد ينتهي بمسؤول جديد يُضاف إلى قائمة الملايين الذين طالتهم مقصلة الانضباط.










