إضراب النفط يُربك طهران: هل تتحول احتجاجات الجياع إلى ساعة الحقيقة للنظام الإيراني؟
تعيش إيران منذ أواخر ديسمبر 2025 وحتى يناير 2026 واحدة من أوسع موجات الإضرابات والمظاهرات ضد النظام منذ قيام الجمهورية الإسلامية، في مشهد بات يصفه مراقبون بأنه أخطر تحدٍّ داخلي للسلطة خلال عقود.
ومع تصاعد حدة القمع وسقوط آلاف القتلى والمصابين وتمدّد الإضرابات إلى قطاعات حساسة مثل النفط والبازارات، تتحول الاحتجاجات من غضب اقتصادي إلى مواجهة سياسية مفتوحة تطالب بإسقاط النظام برمّته.
شرارة الاحتجاجات وتحوّلها
انطلقت شرارة الموجة الحالية من الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025 من قلب البازارات والأسواق التجارية في طهران، حيث أغلق تجار مجمّعات مثل علاء الدين و«چارسو مول» محالهم احتجاجًا على الانهيار الحاد للعملة واشتداد الأزمة المعيشية.
سرعان ما تمددت هذه الإضرابات إلى بازار طهران الكبير ومناطق تجارية أخرى، لتتحول من اعتراض على الأسعار إلى هتافات سياسية ضد سوء إدارة الدولة وغياب الحلول للأزمة الاقتصادية.
خلال أيام قليلة انتقلت الاحتجاجات من العاصمة إلى مدن كبرى مثل أصفهان ومشهد وهمدان، تزامنًا مع إغلاق متتابع للمحال وارتفاع منسوب الغضب الشعبي على خلفية التضخم وانهيار القدرة الشرائية.
ومع توسّع الحركة الاحتجاجية، أخذت الشعارات منحى أكثر راديكالية، تستهدف رموز النظام وتطالب بتغيير جذري في بنية الحكم، لا مجرد إصلاحات اقتصادية سطحية.
الإضرابات العامة وامتدادها للقطاعات الحساسة
مع مطلع يناير 2026، بدأت دعوات الإضراب العام تخرج من الإطار التجاري لتصل إلى قطاعات أكثر حساسية، في مقدمتها قطاع النفط والبتروكيماويات الذي يعد شريان الاقتصاد الإيراني.
تقارير اقتصادية دولية تحدثت عن توقف جزئي في بعض مجمّعات التكرير والبتروكيماويات، الأمر الذي أثار قلق الأسواق العالمية ورفع منسوب «العلاوة الجيوسياسية» في أسعار النفط.
امتداد الإضرابات إلى قطاع الطاقة اعتُبر مؤشرًا على عمق الأزمة واتساع رقعة السخط الشعبي لتشمل العمال إلى جانب التجار والطلاب والموظفين.
كما أُشير إلى بوادر تململ داخل بعض أجهزة الأمن، بعدما تحدّثت تقارير بحثية عن قلق رسمي من احتمالات «الانشقاق» أو رفض بعض العناصر الانخراط في القمع المباشر ضد المتظاهرين.
قبضة أمنية دامية وتعتيم شامل
ردّ السلطات جاء سريعًا وعنيفًا، عبر نشر مكثف لقوات الأمن والحرس الثوري، واستخدام الرصاص الحي والغازات المسيلة للدموع لتفريق التظاهرات في عدد كبير من المدن.
منظمات حقوقية دولية وثّقت مقتل عشرات المتظاهرين خلال الأيام الأولى، قبل أن ترتفع التقديرات إلى مئات ثم آلاف القتلى مع اتساع نطاق القمع وامتداده إلى محافظات عديدة.
تقديرات مختلفة أشارت إلى أرقام متباينة، إذ تحدثت جهات حقوقية عن مقتل مئات خلال الأيام الأولى وآلاف خلال الأسابيع التالية، بينما قدّرت تقارير إعلامية أن العدد قد يكون وصل إلى عدة آلاف مع وجود قتلى لم يُسجَّلوا رسميًا.
وفي 18 يناير 2026، نُقل عن مسؤول إيراني إقليمي اعتراف رسمي بسقوط ما لا يقل عن خمسة آلاف قتيل، بينهم عناصر من قوات الأمن، في محاولة لإلقاء المسؤولية على «إرهابيين ومسلحين» وسط المحتجين.
إلى جانب العنف الميداني، لجأت السلطات إلى أداة مألوفة أصبحت سلاحًا ثابتًا في كل موجة احتجاجية، وهي قطع الإنترنت والاتصالات أو تقييدها على نطاق واسع، ما أدّى إلى حجب الصور والفيديوهات وخنق القدرة على التنظيم والتوثيق
هذا التعتيم الرقمي ترافق مع حملة اعتقالات واسعة، استهدفت ناشطين وصحفيين ومواطنين عاديين، وسط تحذيرات حقوقية من التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز.
البعد السياسي وردّ الفعل الدوليمع استمرار الاحتجاجات واتساع الإضرابات، أخذت الأزمة بعدًا سياسيًا داخليًا وخارجيًا أكثر وضوحًا.
داخليًا، تتصاعد تساؤلات حول قدرة النظام على احتواء الغضب الشعبي عبر الأدوات الأمنية التقليدية وحدها، في ظل اتساع الهوة بين الشارع والسلطة وانهيار الثقة في الوعود الإصلاحية.
خارجيًا، تزايدت الإدانات الدولية للقمع وجرائم القتل الجماعي التي وُصفت في بعض التقارير بالمجازر، مع دعوات لفرض مزيد من العقوبات وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات.
في الوقت ذاته، تُصرّ طهران على اتهام قوى خارجية، في مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل، بالوقوف وراء تأجيج الاحتجاجات، وهو خطاب يعتبره محللون محاولة لتبرير العنف وحشد الأجهزة الأمنية خلف خطاب «المؤامرة».
مستقبل الإضرابات والاحتجاجات
رغم أن القبضة الأمنية نجحت في خفض زخم التظاهر العلني في بعض المدن، فإن جذور الأزمة الاقتصادية والسياسية التي فجّرت الشارع لا تزال قائمة، بل تتفاقم مع استمرار العقوبات وتدهور العملة وتزايد أعداد القتلى والمعتقلين.
مراقبون يرون أن ما يجري اليوم يمثل لحظة مفصلية في علاقة المجتمع الإيراني بنظامه، وأن كلفة القمع المرتفعة قد تؤدي إلى موجات لاحقة من الانفجار الاجتماعي يصعب التنبؤ بتوقيتها وحجمها.
في المقابل، يعوّل النظام على تماسك أجهزته الأمنية وعلى إرهاق الشارع بفعل القمع والتعتيم وغياب القيادة الموحدة للاحتجاجات.
وبين رهان الشارع على استمرار الإضرابات والعصيان المدني، ورهان السلطة على الزمن والسلاح، تبقى إيران مفتوحة على سيناريوهات تتراوح بين تسوية سياسية صعبة، أو جولة قمع أشد قسوة، أو تحوّل تدريجي نحو تغيير عميق في معادلة الحكم القائمة منذ 1979.










