بعد سبعة أشهر من الضربات الإسرائيلية المفاجئة على مواقع عسكرية ونووية إيرانية، عادت إيران لتتصدر العناوين العالمية، لكن هذه المرة بسبب توترات داخلية. اندلع الغضب الشعبي في طهران ومدن أخرى نتيجة التضخم المتصاعد وارتفاع أسعار المواد الغذائية والانهيار السريع للريال الإيراني، متحولا إلى حركة احتجاج واسعة تعكس رفضا متناميا للنظام الديني الذي يحكم البلاد منذ ما يقرب من خمسة عقود.
إرث تاريخي من الأزمات
تاريخ إيران الحديث يظهر أن البلاد سبق أن واجهت تحديات جسيمة، من الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، مرورا بالحرب مع العراق، وفرض العقوبات الدولية المتكررة، وصولا إلى موجات الاحتجاجات الداخلية المتتالية. ومع ذلك، فإن ضغوط العقوبات الأمريكية المتزايدة وتصاعد الاحتجاجات الشعبية خلق شعورا بأن النظام محاصر، بين اقتصاد منهار وشعب متململ وخصوم خارجيين على رأسهم إسرائيل والولايات المتحدة.
تحول الاحتجاجات من الاقتصاد إلى السياسة
في البداية، حاولت السلطات طهران التقليل من شأن الاحتجاجات ووصفتها بأنها “أعمال شغب” عادية، لكن الحركة توسعت بسرعة وانتقلت من احتجاجات اقتصادية محلية إلى حملة وطنية ضد الحكم.
التحول كان واضحا مع هتافات مناهضة للديكتاتورية موجهة مباشرة للنظام، فيما فاقمت السياسات الخارجية ودعم إيران للميليشيات الإقليمية من شعور المواطنين بالظلم الداخلي.
وتراجع قيمة الريال الإيراني بمعدل 10.5% مقابل الدولار خلال أسابيع، و44.7% على مدار العام الماضي، زاد من الاحتقان وأدى إلى حملة قمع شديدة، أسفرت عن مقتل آلاف وإغلاق الإنترنت، ما شكل أكبر انتفاضة منذ عقود.
ضغوط أمريكية وإسرائيلية مستمرة
بينما كانت إيران تعاني داخليا، استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الوضع لتحذير طهران من العمل العسكري المباشر، مؤكدا أن الولايات المتحدة تدرس “خيارات قوية للغاية”، ما يعيد إلى الأذهان تاريخ تدخل واشنطن في تغيير الأنظمة. إسرائيل من جانبها تلعب دورا في الضغط على الولايات المتحدة نحو مواجهة محتملة مع طهران، مستغلة المخاوف النووية الإيرانية لدعم أجندتها في المنطقة.
التدخل الخارجي وأدوات القمع
وفقا لمحللين، تورطت وكالات استخبارات أجنبية مثل الموساد وCIA وMI6 في دعم الاحتجاجات الإيرانية عبر حملات تأثير وإمداد شبكات الإنترنت البديلة. بينما لم تؤد هذه الجهود إلى سقوط النظام، إلا أنها عززت الاحتجاجات وأظهرت حجم التأثير الخارجي على الأحداث الداخلية، فيما لا تزال المعارضة منقسمة وتفتقر إلى قيادة موحدة.
القوة العسكرية الإيرانية واستراتيجية الرد
الواقع يشير إلى أن إيران ما زالت تحتفظ بأدوات القوة الأساسية، بما في ذلك صادرات النفط والقدرة العسكرية والصواريخ الباليستية. أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي محتمل سيواجه برد مباشر، يستهدف إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، مع احتمال إغلاق مضيق هرمز، ما قد يسبب صدمة اقتصادية عالمية واسعة.
محاولات المعارضة في المنفى
يبرز نجل الشاه كرمز محتمل للمعارضة، لكنه يواجه ضعف الدعم الشعبي. يحذر خبراء من أن القوى المعارضة في المنفى، رغم الدعم الإعلامي والسياسي، لا تستطيع بناء بديل ديمقراطي مستقر، وأن الحملات الخارجية غالبا ما تهدف إلى إضعاف النظام بدلا من تغييره بشكل مستدام.
خلاصة: النظام الإيراني ما زال صامدا
إيران اليوم تواجه تحديا مزدوجا: اضطرابات داخلية متصاعدة وضغوطا خارجية تهدف إلى اختبار قدرتها على الصمود. وبينما يلوح تهديد التدخل العسكري الأمريكي والإسرائيلي، يشير الواقع إلى أن النظام، رغم تراجع شعبيته ومعاناته الاقتصادية، ما زال قويا نسبيا، وأن أي محاولة لتغيير قيادته بالقوة ستكون مغامرة خطيرة قد تؤدي إلى فوضى إقليمية واسعة.










