لستُ أعرفُ ما هي الحكمة الإلهيَّة من خلق الله تعالى للكُرد وكردستان في هذه المنطقة الموبوءة بالحروب والصراعات. لماذا لم يجعل الله الكرد جزءًا من أوروبا مثلًا؟ ولماذا جعل كردستان بين الترك والعرب والفرس، الذين يشهد التاريخ على صراعاتهم وحروبهم فيما بينهم؟
دخل الكرد الإسلام سِلمًا من دون حروب ودماء، لأنَّهم في الأصل كانوا يعبدون الله وفق الديانتين الإيزيديَّة والزرادشتيَّة، ما كانوا يعبدون آلهة يصنعونها من التمر والطين والحجر. بينما دخلت قريش الإسلام بعد ثلاث حروب: بدر، وأُحُد، والخندق. ودخلت الحجاز والعراق والشام الإسلامَ بالسيف والحرب وإراقة الدماء.
ما علاقة الكرد بالصراع على المُلك في قريش بين بني أميَّة وبني هاشم؟ لا علاقة لهم بذلك، ولا علاقة لهم بما جرى في السقيفة وإبعاد عليّ بن أبي طالب من الخلافة، ولا علاقة لهم بمقتل عمر وعثمان، وحرب الجمل وصفِّين والنهروان، ومقتل علي، وتسميم الحسن، ومقتل الحسين.
دخل الكرد الإسلام وأبلَوا بلاءً حسنًا، لكنَّ المسلمين غدروا بالكرد غدرًا مبينًا يمتدُّ إلى هذه اللحظة. في تعاملهم مع الكرد وكردستان، لم يلتزم المسلمون من العرب والترك والفرس بشريعة النبي محمد (ص)، بل التزموا بشرائع قوميَّاتهم وقبائلهم ومصالحهم وجاهليتهم. هؤلاء قاتلوا الكرد باسم الدين والإسلام والجهاد في سبيل الله، والحقُّ والحقيقة يقولان إنَّهم قاتلوا الكرد باسم قوميَّاتهم وفي سبيل سلطاتها وأنظمتها.
حروب العرب والفرس كان ضحيتها الكرد. حروب الترك والفرس كان ضحيتها الكرد. حروب الترك والعرب كان ضحيتها الكرد.. يا ربّي، يا أرحم الراحمين، لماذا لم ترحمنا من هذه الحروب، ولم تخلقنا في منطقة أخرى، كأن تكون المنطقة الاسكندنافيَّة، ليكون الكرد وكردستان بعيدين عن هذا الجحيم الذي يُسمَّى الشرق الأوسخ؟
ساعدَ الكردُ العثمانيينَ في بناء دولتهم، فغدروا بالكرد. وساعد الكردُ مصطفى كمال أتاتورك في بناء جمهوريَّته، فغدر بالكرد، وعلَّق قادتهم على أعواد المشانق، وأبادهم.
وساعد الكردُ الخميني في “ثورته” على الشاه، فغدر بهم وحاربهم، وقتل نظام الخميني قادة الكرد في كردستان إيران وفي المهاجر: فيينا وبرلين.
أتى الفرنسيون غزاةً إلى سوريا. استسلم البرلمان السوري، ووقف وزير الحرب السوري يوسف العظمة (الكردي)، وبعض مقاتليه، في وجه الفرنسيين، لئلّا يُقال: إنَّ الغزاة دخلوا دمشقَ من دون مقاومة. بينما تجّارُ “الشّام الشّريف” من العرب المسلمين السنّة، عندما دخلت عربة الجنرال هنري غورو دمشق، تملُّقًا وتزلُّفًا له، فكُّوا الأحصنة من عربته، واستبدلوها بالقبضايات كي يجرّوا العربة. هل رأيتم في العالم إخلاصًا وطنيًّا لسوريا كالذي فعله تجّار دمشق مع غورو، ودماء يوسف العظمة (الكردي) لم تبرد بعد؟
معظم مجاهدي دمشق كانوا من الكرد، ومعظم عملاء الفرنسيين هناك كانوا من غير الكرد. بعد أن غادر الفرنسيون سنة 1946، كان أوّل من غدرت بهم سوريا هم كُردها الذين دافعوا عنها.
حتى قبل أن ينتفض السوريون على نظام البعث سنة 2011، انتفض الكرد عليه سنة 2004، وشاركوا في الثورة بالمظاهرات والاعتصامات والأقلام والحناجر والكلمات سنة 2011. لكن حين تغيَّر نظام الحكم في الشام، غدر نظام الجولاني بالكرد بعد غدره بالعلويين والمسيحيين.
قصَّة الكرد في العراق معروفة، منذ انتفاضة الشيخ محمود الحفيد ورفضه مصافحة الإنكليز إلى يومنا هذا، ولا حاجة إلى سردها.
الكرد في سوريا شعب وقوميَّة، لهم ما ينصُّ عليه القانون الدولي، والميثاق العالمي لحقوق الإنسان، والعهدان الدوليان، وليس سقف حقوق الكرد ومطالبهم هو مرسوم أحمد الشرع المرسومي (الجولاني) القريشي الأموي القاعدي الداعشي… المجهول النسب.
يقول الجولاني ومثقفوه وجلاوزته وإمّعاته: “نحن والكرد أخوة متساوون في الحقوق والواجبات”. وحين تسألهم:
- هل يحقُّ للكردي أن يكون رئيس سوريا؟
- لا طبعًا. لأنّ العرب هم الأغلبيّة. يجيبك بوقاحة.
- طيّب، هل يحقُّ للكردي أن يكون رئيس وزارة؟
- لا طبعًا. لأنَّها الجمهوريَّة العربيّة السوريّة. يجيبك بوقاحة أكثر قباحة.
- إذًا يحقُّ للكردي أن يكون وزير خارجيّة ووزير دفاع؟
- قطعًا لا. يجيبك وهو يضحك ساخرًا حانقًا هازئًا غاضبًا ويده على مسدّسه أو مقبض خنجره.
وعليه، ما عسى الكردي أن يردَّ على هذا النفي القطعي، إلاّ القول: إيه كس أختك وكس أخت هكذا أخوّة مزيّفة. وكس أخت هكذا دولة غير وطنيّة، تفضّل العربي على الكردي والسرياني والأرمني، وتفضّل المسلم على المسيحي، وتفضّل أهل السنّة على العلويين والشيعة والدروز من المسلمين. وتفضّل السلفيّة الجهاديّة التكفيريّة القاعديّة – الداعشيّة – الإخوانيّة – الموفّق زيدانيَّة على سائر أهل السنّة والجماعة.
صحيح أنَّ كرد سوريا وقفوا مع الكفاح الكردي المسلَّح ضد النظامين الفاشيين في تركيا والعراق، لكنَّهم لم يرفعوا السلاح في سوريا منذ نشأة الكيان السوري. من الذي رفع السلاح في وجه الدولة السورية وطالب بالسلطة والحكم؟ العرب المسلمون السنّة الإخوانجيَّة والجهاديَّة. فعلوها في الستينيَّات، وفي الأعوام 1979 و1980 و1981 و1982، ولم يتورَّط الكرد في الصراع بين نظام حافظ الأسد وجماعة الإخوان المدعومة من صدّام حسين.
في بداية عام 2026، وبدعم من تركيا المحتلَّة لأراضٍ سوريَّة، رفعت سوريا السلاح في وجه أكرادها، وهاجمت حيَّين كرديَّين. لم يكن نظام الجولاني وحيدًا في حربه تلك، بل وقف معه العشرات من المثقفين والأدباء العرب المسلمين السنّة من دون حياء وخجل، بل بوقاحة ممزوجة بالمزايدات الوطنية والثقافية المزيفة. أقلامهم وكلماتهم وضمائرهم وأخلاقهم المدافعة عن الجولاني ملطَّخة بدماء العلويين والدروز والكرد، أولئك المثقفين الوطنيين المحترمين الأفذاذ الإمعات.
الكرد لم يرفعوا السلاح في وجه الدولة، بل رفعوه دفاعًا عن أنفسهم في وجه سلاح الجمهوريَّة العربيَّة الإسلاميَّة السنِّيَّة الأمويَّة القبيحة، التي أراقت دماء العلويين والدروز والمسيحيين والكرد.
ساعد الكردُ العالمَ وأمريكا في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، لكن العالم وأمريكا غدرا بالكرد، ورجَّحا كفَّة نظام الجولاني، الذي هو امتداد لتنظيم داعش الإرهابي، أو إعادة تدوير لذلك التنظيم الهمجي الأسود.
سيبقى سؤالي هذا معلَّقًا ومن دون إجابة إلى يوم القيامة: إلى متى سيبقى الكرد الأمَّة المغدور بها من قبل النظام العالمي، قديمه وجديده؟ لماذا خلقتنا في هذه المنطقة، يا ربَّ العالمين، ولم تخلق الكرد وكردستان في أمريكا الجنوبيَّة أو الشماليَّة، أو في أوروبا، أو على كوكب الزهرة أو المشتري؟ لماذا تأخَّر نيزكك العظيم كي ينهي هذه الحياة المزيّفة؟ إسرافيل العزيز، بوقك نخره الصدأ. أرجوك أنفخ فيه وأرح العالم مما يتمرَّغ فيه من زيف ودجل ودماء وتفاهة.










