واشنطن تتبنى استراتيجية متكاملة لاستقرار ليبيا وحماية المصالح الغربية
طرابلس، 20 يناير 2026 – بعد أكثر من أربعة عشر عامًا على سقوط نظام معمر القذافي، لا تزال ليبيا دولة منقسمة بعمق على الصعيدين السياسي والجغرافي. الحكومة المعترف بها دوليًا – حكومة الوحدة الوطنية – التي انتهت صلاحياتها رسميًا، تواصل حكم شمال غرب البلاد، بينما يسيطر الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر على شرق البلاد، بدعم من قوى أجنبية متنافسة.
هذا الانقسام أوجد مشهدًا معقدًا تتداخل فيه مصالح الطاقة والأمن والهجرة، مما جعل ليبيا نقطة تركيز استراتيجية، ليس فقط لموقعها الرابط بين البحر المتوسط ومنطقة الساحل الأفريقي، بل أيضًا لإنتاجها النفطي، الذي يُقدر حاليًا بين 1.2 و1.4 مليون برميل يوميًا، مع هدف الوصول إلى مليوني برميل بحلول 2030. وقد جذب ذلك اهتمامًا مكثفًا من الولايات المتحدة وأوروبا، لاعتبار ليبيا مركزًا للطاقة ومنطقة حساسة أمنيًا.
في السنوات الأخيرة، بدا الوضع في ليبيا مجمدًا، مع توسع النفوذ الروسي عبر مجموعة فاغنر، التي أصبحت لاحقًا جزءًا من الدور الرسمي تحت وزارة الدفاع الروسية، وسيطرت على قواعد عسكرية رئيسية، ومسارات لوجستية حيوية، وحقول النفط الكبرى. في ظل هذه الظروف، كانت أي أنشطة اقتصادية معرضة لمخاطر كبيرة، بما في ذلك الاضطرابات الأمنية والتدخل الأجنبي.
استراتيجية أمريكية متكاملة
استجابت الولايات المتحدة بنهج شامل يجمع بين الدبلوماسية والانخراط العسكري والاستثمار الاقتصادي لحماية مصالحها ومصالح الحلفاء الغربيين، وتعزيز الاستقرار الداخلي في ليبيا.
دبلوماسيًا، نسقت واشنطن عن كثب مع شركاء إقليميين ودوليين، من بينهم إيطاليا ومصر وتركيا والأمم المتحدة، لتوحيد السياسات وتجنب الصدام مع الأطراف المحلية أو الأجنبية. وشملت الجهود زيارات عدة لوفود عسكرية أمريكية، بما في ذلك مسؤولون من القيادة المركزية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، إلى طرابلس وسرت. كما أُدرجت ليبيا في تدريبات فلينتلوك السنوية، التي كانت تركز تاريخيًا على غرب أفريقيا، مما يعكس رغبة واشنطن في دمج ليبيا ضمن شبكة أوسع من التعاون الأمني الغربي بدلاً من ترك المجال مفتوحًا أمام روسيا وغيرها من المنافسين.
عسكريًا، أولت الولايات المتحدة أولوية لتدريب وإعادة تأهيل قوات خاصة ليبية من كلا الجانبين، مع التركيز على العمليات المشتركة وحماية البنية التحتية الحيوية، لا سيما المنشآت النفطية. وشملت آليات التنسيق خلايا تقنية لمراقبة البنية التحتية، ومكافحة التهديدات المرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة، وتأمين الملاحة البحرية في البحر المتوسط ومنطقة الساحل. الهدف من هذه الجهود هو إنشاء توازن يحمي المصالح الأمريكية والغربية، ويحد من نفوذ القوى المنافسة دون إثارة صراع إضافي.
اقتصاديًا، تسعى الولايات المتحدة لتعزيز بيئة الاستثمار في قطاع النفط والغاز، من خلال ضمان وصول الشركات الغربية إلى الموارد ضمن أطر شفافة ومحاربة الفساد. وقد أعادت شركات كبرى مثل شل وتوتال إنرجيز وإيني قنوات الاتصال مع المؤسسة الوطنية للنفط، فيما وقعت إكسون موبيل مذكرة تفاهم لاستكشاف حقول جديدة، ما يعكس ثقة متجددة في قطاع الطاقة الليبي. كما تتضمن الإصلاحات المؤسسية تحسين ممارسات العقود، وتطبيق معايير بيئية، وتوزيع الإيرادات بعدالة، لربط النمو الاقتصادي بالأمن والاستقرار المحلي.
إعادة فتح السفارة الأمريكية
تمثل إعادة فتح السفارة الأمريكية في طرابلس عنصرًا أساسيًا في هذه الاستراتيجية، إذ توفر حضورًا دبلوماسيًا دائمًا لتنسيق المبادرات، ودعم التدريب العسكري، وحماية الاستثمارات، وتسهيل التعاون بين الأطراف الليبية، فضلًا عن دعم المشاركة الاقتصادية عبر مؤسسات مثل مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية وبنك التصدير والاستيراد.
نموذج متعدد الأبعاد للدول الهشة
يمثل هذا النموذج متعدد الأبعاد محاولة لاستعادة إنتاج الطاقة، وإدارة المخاطر الأمنية في البحر المتوسط ومنطقة الساحل، وتقديم إطار يمكن تكراره في التعامل مع دول هشة أخرى. رغم أن تطبيقه يتطلب صبرًا وتنسيقًا واستغلال الفرص الاستراتيجية، إلا أنه قد يشكل نقطة تحول في السياسة الأمريكية تجاه شمال أفريقيا والمتوسط، ويؤسس لعصر جديد من التعاون المستدام والمتعدد الأوجه في ليبيا.










