أطلقت المغرب وإثيوبيا أول لجنة للدفاع المشترك عبر اجتماع عسكري رفيع في أديس أبابا منتصف يناير 2026، لتتحول اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة بين الجانبين في 2025 من نصوص على الورق إلى آلية عملية للتنسيق والتخطيط المشترك.
وتضع هذه اللجنة نواة شراكة عسكرية إفريقية جديدة تتجاوز التدريب التقليدي نحو التعاون الصناعي ونقل التكنولوجيا، في خطوة تثير نقاشًا واسعًا حول أبعادها الإقليمية وحدود تأثيرها على موازين القوى في القارة.
خلفية الاتفاق الدفاعي
تعود جذور لجنة الدفاع المشتركة إلى اتفاقية للتعاون العسكري وقّعها البلدان في الرباط في يونيو 2025، بحضور وزيري الدفاع وكبار قادة الجيشين، نصت على إنشاء لجنة عسكرية مشتركة تُعقد اجتماعاتها بالتناوب بين الرباط وأديس أبابا.
وغطت الاتفاقية مجالات التكوين والتدريب والتمارين المشتركة والبحث العلمي والصحة العسكرية وتبادل الخبرات في الميادين ذات الاهتمام المشترك، في إطار رؤية المغرب لتعزيز التعاون جنوب–جنوب والانفتاح على الشركاء الأفارقة.
خلال الأعوام الأخيرة سبقت الاتفاق، تصاعدت الزيارات العسكرية رفيعة المستوى، شملت زيارة لرئيس الأركان الإثيوبي إلى المغرب وأخرى لمسؤولين مغاربة إلى أديس أبابا، في مؤشرات مبكرة على اتجاه البلدين نحو شراكة دفاعية أعمق تتجاوز المجاملات الدبلوماسية.
هذه التحركات تزامنت مع مساعٍ مغربية لإعادة التموضع في القرن الأفريقي، وتقارب إثيوبي مع شركاء جدد في ظل أزمات داخلية وإقليمية معروفة.
تفاصيل أول اجتماع للجنة الدفاع
انعقد أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة في أديس أبابا يوم 16 يناير 2026، بمشاركة قيادات من القوات المسلحة الملكية المغربية وقوات الدفاع الوطني الإثيوبية، ووصِف بأنه «علامة فارقة تاريخية» في مسار العلاقات بين البلدين.
ناقش الاجتماع مخطط عمل مفصل لتعزيز التعاون في التعليم والتدريب العسكري، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، والتمارين المشتركة، إلى جانب مجالات أخرى كالبحث العلمي والطب العسكري.
أكد اللواء المسؤول عن العلاقات الخارجية والتعاون العسكري في الجيش الإثيوبي أن الاجتماع يفتح مرحلة جديدة من التنفيذ العملي لبنود الاتفاق، وليس مجرد إعلان نوايا، مع التشديد على مبدأ «المنفعة المتبادلة» للمؤسستين العسكريتين في البلدين.
من جانبه اعتبر ممثل القوات المسلحة الملكية المغربية أن الاتفاق خطوة مهمة للارتقاء بمستوى التعاون الدفاعي، مشيرًا إلى أن الرباط بدأت بالفعل في الاستفادة من «الإمدادات الدفاعية الإثيوبية»، في إشارة إلى شراكات متوقعة في بعض مجالات التسليح أو الدعم اللوجستي.
أبعاد إستراتيجية وإقليمية
تروج الرباط وأديس أبابا لهذا التعاون كجزء من رؤية أوسع لتعزيز الأمن والاستقرار في أفريقيا، في سياق مبادرات التعاون جنوب–جنوب والاندماج الإقليمي التي يتبناها المغرب بقيادة الملك محمد السادس.
وترى أديس أبابا في الشراكة مع المغرب فرصة لتنويع شركائها العسكريين وتطوير قدراتها في مجالات حديثة مثل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية، كما أشارت تقارير إثيوبية متخصصة.
لكن خارج البيانات الرسمية، يثير هذا المحور تساؤلات حساسة، ولا سيما في القاهرة، في ظل تزامن توثيق التعاون العسكري المغربي الإثيوبي مع استمرار التوتر حول ملف سد النهضة، ومع تقارير إعلامية ربطت الزيارات العسكرية الإثيوبية للمغرب بإعادة رسم خرائط التحالفات داخل القارة.
كما يُخشى أن يتحول أي تعاون دفاعي غير مضبوط إلى عنصر استقطاب جديد في فضاء أفريقي مشحون أصلاً بالتنافس الإقليمي والصراعات الحدودية.
فرص التعاون الدفاعي وحدودها
على المستوى العملي، يمنح إنشاء لجنة دفاع مشتركة البلدين منصة دائمة لتنسيق برامج التدريب العسكري، وتبادل الخبرات في إدارة عمليات حفظ السلام، وإدارة الأزمات، والمشاركة في مناورات مشتركة أو متعددة الأطراف تحت مظلة الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة.
كما يفتح الباب أمام مشاريع في مجال الصناعات الدفاعية الخفيفة، وتوطين بعض خطوط الإنتاج أو صيانة المعدات العسكرية، بما يعزز استقلالية القرار الدفاعي في كلا البلدين عن مصادر التسليح التقليدية.
مع ذلك، يبقى حجم التعاون الفعلي مرهونًا بعدة عوامل؛ منها قدرة الرباط وأديس أبابا على تحييد هذا الملف عن صراعاتهما أو حسابات خصومهما الإقليميين، وإدارة أي حساسيات داخلية تتعلق بالشفافية والرقابة البرلمانية على الاتفاقات العسكرية.
كما أن غياب توضيحات علنية حول سقف التعاون العملياتي والاستخباراتي – في ظل تسريبات عن مذكرات تفاهم في هذا المجال – يغذّي مخاوف من أن تتحول اللجنة إلى غطاء لتحالفات أمنية غير معلنة تتجاوز شعارات «الأمن الجماعي» الأفريقي.










