من الاستيراد بالمليارات إلى مصانع بالملايين: هل تنجح لعبة الدولة مع شركات المحمول العالمية؟
تشهد صناعة الهاتف المحمول في مصر طفرة غير مسبوقة مع بداية 2026، بعد انتقال الدولة من مرحلة السوق المستهلك إلى لاعب إقليمي في التصنيع والتصدير، بدعم مباشر من مبادرة «مصر تصنع الإلكترونيات» وسياسات جمركية وتشريعية تشجع على الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا.
هذه الطفرة تتجسد في أرقام الإنتاج، وعدد المصانع، وحجم الاستثمارات، ودخول علامات عالمية كبرى اختارت الأراضي المصرية قاعدة لتجميع وتسويق هواتفها في الشرق الأوسط وأفريقيا.
طفرات في الإنتاج وعدد المصانع
تؤكد البيانات الرسمية أن عدد مصانع الهواتف المحمولة في مصر قفز إلى نحو 14–15 مصنعًا مع نهاية 2025، بعد دخول أربع علامات تجارية جديدة رفعت الطاقة القصوى إلى قرابة 20 مليون هاتف سنويًا.
هذه المصانع تشمل خطوط إنتاج وتجميع وتغليف، وتستعد نسبة معتبرة منها للتصدير الفعلي للأسواق الإقليمية مع مطلع 2026، بدلًا من الاكتفاء بتغطية الطلب المحلي فقط.
تشير تصريحات وزير الاتصالات إلى أن الإنتاج الفعلي ارتفع من حوالي 3.3–3.5 مليون جهاز في عام واحد، إلى استهداف أكثر من 9–10 ملايين هاتف خلال 2025، في قفزة وُصفت بأنها تحول من «التجميع المحدود» إلى «صناعة ذات وزن في المنطقة».
هذا النمو يوازيه اتجاه حكومي واضح لتعميق المكون المحلي وزيادة القيمة المضافة بدلاً من الاكتفاء باستيراد المكوّنات وتجميعها بشكل شكلي.
العلامات العالمية على خط التصنيع
اختارت شركات عملاقة مثل سامسونج وأوبو وشاومي وفيفو مصر مقرًا لمصانع هواتفها، في إطار خطة حكومية لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للإلكترونيات.
مصنع سامسونج في بني سويف على سبيل المثال يعمل باستثمارات تقترب من 700 مليون دولار وطاقة إنتاجية تصل إلى 6 ملايين جهاز سنويًا، يُوجَّه نحو 85% منها للتصدير إلى أسواق أفريقيا وأوروبا.
في المقابل، تضخ أوبو استثمارات بعشرات الملايين من الدولارات في مصانعها داخل مصر، بطاقة إنتاجية تقدَّر بنحو 4.5 ملايين هاتف سنويًا، مع توجيه جزء كبير من الإنتاج للأسواق الإقليمية، ما يجعل مصر قاعدة تصديرية لا مجرد سوق للبيع بالتجزئة.
أما فيفو، التي دشنت أول مصانعها في أفريقيا بمدينة العاشر من رمضان، فتمتلك طاقة إنتاج تصل إلى نحو 500 ألف وحدة شهريًا، وتحقق قيمة مضافة محلية تقارب 42%، مع بدء تصدير مكوّنات مثل لوحات الدوائر المطبوعة لمصانع الشركة في الخارج.
سياسات الدولة وتوطين التكنولوجيا
ترتكز خطة الدولة على مبادرة «مصر تصنع الإلكترونيات» التي انطلقت منذ 2015، وتهدف إلى جعل صناعة الإلكترونيات، وعلى رأسها الهواتف المحمولة، أحد أعمدة النمو الاقتصادي وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
تعتمد هذه الخطة على حوافز جمركية وضريبية، بينها إعفاءات جزئية لمكوّنات الإنتاج مرتبطة بنسبة القيمة المضافة المحلية، إلى جانب منح «رخص ذهبية» لبعض الاستثمارات الإستراتيجية لتسريع إجراءات التأسيس والتشغيل.
كما تراهن الدولة على اتفاقيات التجارة الحرة التي تربط مصر بعدد من التكتلات الإقليمية، لتمكين المصانع المحلية من النفاذ بأسعار تنافسية إلى أسواق أفريقيا والعالم العربي، وهو ما يعزّز جدوى اتخاذ مصر مركزًا للتصنيع بدلاً من الاقتصار على السوق الداخلية.
وفي الوقت نفسه، تُطرح صناعة الهواتف المحمولة كأداة لتخفيف الضغط على العملة الصعبة عبر خفض الواردات من الأجهزة الجاهزة، وتحويل جزء من الميزان التجاري إلى صالح الصادرات الإلكترونية.
سوق محلي ضخم وفرص عمل
تُقدَّر قيمة سوق الهواتف المحمولة في مصر بنحو 2.5–2.9 مليار دولار في السنوات الأخيرة، مع توقعات بنمو سنوي يتجاوز 8–11% مدفوعًا بزيادة الإنتاج المحلي وتراجع الاعتماد على الاستيراد.
هذا السوق الضخم يمثل عامل جذب رئيسيًا للشركات العالمية، التي ترى في مصر بوابة إلى عشرات الملايين من المستهلكين، وإلى أسواق جوار تقل فيها حدة المنافسة من اللاعبين التقليديين في آسيا وأوروبا.
على مستوى التشغيل، توفّر هذه المصانع آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في مجالات الإنتاج، والجودة، والخدمات اللوجستية، فضلًا عن تحفيز إنشاء سلاسل توريد محلية لمكونات إلكترونية وأكسسوارات الهواتف.
ويرى خبراء أن التصنيع المحلي للهواتف يمكن أن يتحول إلى رافعة لتأهيل كوادر فنية وباحثين في الإلكترونيات والبرمجيات، إذا جرى الربط الجاد بين المصانع والجامعات ومراكز البحوث.
تحديات قائمة وأسئلة مؤجلة
رغم الطفرة المعلنة، يثير مشهد تصنيع الهاتف المحمول في مصر أسئلة حول مدى عمق «التصنيع» مقارنة بمرحلة «التجميع»، في ظل الاعتماد المستمر على استيراد شرائح المعالجة والشاشات ومعظم المكوّنات الحساسة.
كما تبقى نسبة القيمة المضافة المحلية، رغم تحسّنها في بعض المصانع إلى أكثر من 40%، أقل من طموح تحويل مصر إلى لاعب حقيقي في سلاسل القيمة العالمية لصناعة الهواتف الذكية.
إلى جانب ذلك، يلفت خبراء إلى أن نجاح التجربة مرهون باستقرار سياسات الضرائب والجمارك وسعر الصرف، حتى لا تتحول المصانع إلى رهينة لتقلبات اقتصادية تعصف بهوامش الربح وتعرقل خطط التوسع والتصدير.
وبين خطاب رسمي يحتفي بتحقيق «ثورة في صناعة المحمول»، وصوت معارض يحذر من الاكتفاء بمرحلة التجميع، ستبقى السنوات القليلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة مصر على التحول من «شاشة تُستورَد» إلى تكنولوجيا تُطوَّر وتُنتَج محليًا.








