اتحاد السنغال في مرمى النار: هل ضحّى بسيسيه ثم ترك ثياو وحيدًا أمام عاصفة الكاف؟
مدرب منتخب السنغال الحالي هو باب ثياو الذي يتصدر المشهد الكروي في القارة بعد رحيل أليو سيسيه وتحوّل مقعد «أسود التيرانغا» إلى محور صراع كروي وسياسي وإداري معقد.
.من سيسيه إلى ثياو: تحول مفاجئ في مقعد المدرب
شهد منتخب السنغال واحدة من أكثر فترات الاستقرار الفني في أفريقيا تحت قيادة أليو سيسيه، الذي قاد الفريق إلى لقب كأس الأمم 2022 والتأهل إلى كأس العالم مرتين متتاليتين.
لكن هذا الاستقرار انتهى بشكل صادم عندما أعلن الاتحاد السنغالي لكرة القدم عدم تجديد عقده بعد ضغط مباشر من وزارة الرياضة التي رفضت التمديد له، مستندة إلى تراجع ترتيب الفيفا وعدم تحقيق الأهداف الكاملة في البطولات الأخيرة.
قرار الإطاحة بسيسيه لم يكن رياضيًا فقط، بل حمل أبعادًا سياسية واضحة، بعدما تحدثت بيانات رسمية عن «خطر فتور العلاقة بين المنتخب والجماهير»، في اعتراف غير مباشر بأن أزمة المدرب تحولت إلى قضية رأي عام داخلي.
رحل سيسيه، لكنه لم يختفِ عن المشهد الأفريقي، إذ عاد سريعًا عبر بوابة ليبيا، حيث تولى قيادة منتخبها في محاولة لإعادته إلى واجهة القارة، مؤكّدًا أنه «رجل مشروعات طويلة وليست صفقات عابرة».
صعود باب ثياو: أرقام لامعة على أرض مهتزّة
تولى باب ثياو قيادة المنتخب السنغالي الأول في ديسمبر 2024، قادمًا من تجربة ناجحة مع المنتخبات المحلية، وحمل على عاتقه مهمة الحفاظ على هيمنة «أسود التيرانغا» في أفريقيا.
سريعًا صنع المدرب الشاب سجلًا مذهلًا؛ إذ خاض 13 مباراة فاز في 10 منها وتعادل مرتين وتلقى هزيمة واحدة فقط، مسجّلًا 28 هدفًا ومستقبلًا أربعة أهداف، مع انتصار لافت على إنجلترا وخسارة وحيدة أمام البرازيل.
ورغم هذه الأرقام، لم يحصل ثياو على حماية مؤسسية كافية؛ فالجدل الذي صاحب رحيل سيسيه ترك المدرب الجديد تحت ضغط مزدوج: جمهور منقسم بين الوفاء للمدرب السابق وحماس للجيل الفني الجديد، واتحاد يسعى لتثبيت شرعيته بعد قرار سياسي مثير للجدل.
في هذا السياق، بدا ثياو كمدرب يقدّم كرة حديثة هجومية، لكنه يتحرك فوق أرض إدارية وسياسية غير مستقرة، ما يحول كل مباراة إلى استفتاء جديد على بقائه.
أزمة مانى وجرأة المدرب الجديد
لم يتردد باب ثياو في التورط في ملف شائك يتعلق بأسطورة السنغال ساديو ماني، الذي أعلن أن كأس الأمم 2025 ستكون آخر مشاركة له في البطولة القارية قبل الاكتفاء بالالتزامات الأخرى مع المنتخب.
ثياو خرج إلى الإعلام مطالبًا ماني بالتراجع عن قراره، مؤكدًا أن «البلد ليس موافقًا على اعتزاله، وأنا أيضًا لست موافقًا»، في رسالة تعكس مدى رهان المدرب على خبرة لاعبه الأبرز في المرحلة المقبلة.
هذه التصريحات وضعت المدرب في قلب النقاش الجماهيري؛ فمن جهة كسب تعاطف قطاع واسع من الجماهير التي ترى ماني رمزًا وطنيًا لا يمكن التفريط فيه، ومن جهة أخرى فتح الباب أمام انتقادات تعتبر أن ثياو يضغط معنويًا على لاعب قد يكون مرهقًا بدنيًا وذهنيًا.
لكن الواضح أن المدرب يحاول تثبيت صورة «القائد الشعبي» الذي يتحدث بلسان الشارع وليس فقط بلهجة البيانات الرسمية، في تباين واضح مع أسلوب سيسيه الأكثر تحفظًا.
ظلال الكاف وأزمة الإيقاف المحتملة
تضاعفت الضغوط على باب ثياو بعد الأحداث المثيرة التي رافقت نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025 أمام المنتخب المغربي في الرباط، حين قاد احتجاجًا جماعيًا غير مسبوق بالانسحاب المؤقت من الملعب اعتراضًا على قرار تحكيمي حاسم
ورغم عودة السنغال إلى الملعب لاحقًا والفوز بالمباراة بهدف في الوقت الإضافي، إلا أن الكاف اعتبر سلوك الجهاز الفني «ضارًا بصورة كرة القدم الأفريقية» وأصدر قرارًا بإيقاف ثياو عن المشاركة في مسابقاته إلى جانب غرامة مالية على الاتحاد السنغالي.
المسألة لم تتوقف عند حدود الكاف؛ إذ أدان رئيس فيفا جياني إنفانتينو المشهد، وساند الاتحاد المغربي في تصعيده القضائي، ما فتح الباب لسيناريوهات معقدة قد تشمل تشديد العقوبات أو فرض رقابة أكبر على منتخب السنغال قبل كأس العالم 2026
في المقابل، يرى قطاع من الشارع السنغالي أن مدربه فقط دافع عن كرامة المنتخب في وجه تحكيم مثير للجدل، ويتهم الكاف بمعايير مزدوجة في إدارة النزاعات الخاصة بالمنتخبات الكبرى المضيفة للبطولات.
مونديال 2026: نجاح رياضي مهدد إداريًا
على المستوى الرياضي، يظهر منتخب السنغال تحت قيادة ثياو في وضع جيد في تصفيات كأس العالم 2026؛ فهو بلا هزيمة في مجموعته حتى الآن، وقد أعلن المدرب قائمة قوية لمواجهتي السودان وموريتانيا في جولات حاسمة من التصفيات.
هذا التفوق يضع المنتخب ضمن المرشحين الأقوياء لحجز بطاقة مباشرة إلى المونديال، خصوصًا أن الفريق حافظ على هيكله مع إدماج عناصر جديدة تدعم الإيقاع البدني والمرونة التكتيكية.
إلا أن نجاح المشروع الفني بات مهددًا من خارج الخطوط؛ فالعقوبة المفروضة على المدرب من الكاف، وما قد يلحق بها من تطورات، قد تعيد المنتخب إلى دوامة البدائل المؤقتة على دكة البدلاء في أهم مرحلة من التصفيات.
هنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين في داكار: هل أخطأت السلطات الرياضية عندما تخلّت عن استقرار سيسيه دون أن تبني مظلة حماية سياسية وقانونية لخلفه؟
مسؤولية الاتحاد: بين الحسابات السياسية ومصير المنتخبيتعرض الاتحاد السنغالي لكرة القدم لانتقادات متزايدة من الإعلام المحلي وجماهير المنتخب بسبب طريقة إدارة ملف المدرب؛ من إخراج سيسيه بقرار جاء «من فوق»، إلى ترك ثياو يواجه منفردًا تبعات صدامه مع الكاف.
يرى منتقدو الاتحاد أن القيادة الحالية انشغلت بحسابات السلطة والرضا الحكومي أكثر من انشغالها بتأمين بيئة مستقرة للمنتخب، ما جعل مقعد المدرب جزءًا من صراع نفوذ لا معركة فنية بحتة.
في المقابل، يدافع مسؤولون عن قراراتهم بالاستناد إلى تراجع ترتيب السنغال في تصنيف الفيفا في مرحلة ما، وإلى ضرورة ضبط سلوك الجهاز الفني أمام الكاف والفيفا حفاظًا على سمعة البلاد.
لكن ما بين خطاب التبرير الرسمي وغضب الشارع الكروي، يبقى باب ثياو اليوم في قلب عاصفة معقدة: مدرب صاحب أرقام قوية، وبطل قاري متمرّد في نظر مؤيديه، ومصدر إزعاج إداري في نظر خصومه، فيما يقترب مونديال 2026 بسرعة لا تترك وقتًا كبيرًا لأخطاء جديدة










