دروس دبلوماسية من أزمة ترامب–ماكرون: انتهاء وهم الاعتماد على العلاقات الشخصية، وتكشف الأزمة عن هشاشة سحر المجاملة أمام الضغوط الأمريكية المباشرة، وحاجة أوروبا لاستراتيجيات حقيقية لحماية سيادتها ومصالحها
كشفت الأزمة الأخيرة في العلاقة بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نهاية وهم طويل في أوروبا، مفاده أن القوة الأمريكية يمكن ترويضها بالمجاملة والإعجاب المتبادل بدل مواجهتها بتوازن إستراتيجي حقيقي.
منذ توليهما السلطة في 2017، اتسمت العلاقة بين الرجلين بالتقلب، حيث جمع بينهما مزيج من المديح الشخصي والهجمات العلنية. في البداية، نجح ماكرون في تهدئة اندفاعات ترامب عبر لغة ودية، مصافحة علنية، ومديح متبادل، وظهر ذلك بوضوح خلال زيارة ترامب الأولى إلى باريس وزيارة الدولة لماكرون في البيت الأبيض، حيث عبّر ترامب عن إعجابه بماكرون قائلاً: “أنا أحبه كثيرًا.”
لكن هذا الأسلوب بدأ يتآكل مع تصاعد التهديدات الأمريكية المباشرة، أبرزها الرسوم الجمركية على النبيذ الفرنسي ومسألة غرينلاند، ما دفع خبراء فرنسيين مثل الحائز على نوبل فيليب أغيون إلى التحذير من الاعتماد المفرط على “سحر الدبلوماسية الشخصية”. وأوضح أغيون خلال منتدى “دافوس” الاقتصادي: “الرئيس وضع الكثير من الثقة في السحر، ظنًا منه أنه سينجح، إلَّا أن ذلك لا يجدي نفعًا.”
في مواجهة هذه الضغوط، اتخذ ماكرون موقفًا أكثر صرامة، مؤكّدًا أن فرنسا لن ترضخ للابتزاز أو محاولات تقويض السيادة الأوروبية، وقال: “نحن نفضل الاحترام على التنمر، وقانون الدولة على القسوة.”
يرى المحللون أن تجربة ماكرون توضح أن إستراتيجية الحفاظ على ودّ ترامب مع إظهار صرامة محدودة، رغم نجاحها أحيانًا في تهدئة اندفاعاته العاطفية، لم تعد كافية مع تصاعد التهديدات المباشرة التي تمس مصالح أوروبا بشكل حقيقي.
حتى الاتصالات اليومية بين الزعيمين، التي كانت تُظهر صورة من الاستقرار، لم تعد كافية. ففي سبتمبر الماضي، اضطر ماكرون للاتصال بترامب شخصيًا لحل أزمة أثناء تواجده في نيويورك، في إشارة إلى اعتماد الحلول الشخصية بدل القوى المتوازنة على المستوى الرسمي.
وأكد مراقبون أن أزمة غرينلاند الأخيرة وتهديدات ترامب بالرسوم الجمركية أثبتت أن التوازن الأوروبي لم يعد يعتمد على سحر العلاقات الشخصية، بل على القدرة على مواجهة الضغوط الأمريكية بخطوات إستراتيجية تحمي السيادة.
كما كشف نشر ترامب لمحادثاته النصية مع ماكرون عن هشاشة هذا النوع من العلاقات، حيث تداخلت الرسائل الودية مع ملاحظات صريحة عن عدم فهم تصرفات الرئيس الأمريكي، مما يبرز أن الإعجاب الشخصي لم يعد كافيًا لحماية باريس من قرارات واشنطن المفاجئة.













