في خطوة وصفت بأنها الأخطر منذ اندلاع الصراع في شمال شرق سوريا، أعلنت الرئاسة السورية، يوم الثلاثاء 20 يناير 2026، التوصل إلى تفاهم غير مسبوق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ينهي فعليا سنوات من الانقسام الإداري والعسكري في محافظة الحسكة.
الإعلان لم يأت من فراغ، بل جاء في لحظة إقليمية ودولية مشحونة، تداخلت فيها الضغوط الأمريكية مع الوقائع الميدانية التي فرضتها سلطة أحمد الشرع على الأرض.
التفاهم، الذي جرى تسويقه رسميا بوصفه “سلميا”، يحمل في طياته مؤشرات واضحة على إعادة هندسة النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الجغرافيا السورية، حيث النفط والحدود والسجون التي تضم أخطر عناصر تنظيم داعش.
الجمهورية السورية تعلن تفاهمات مع “قسد” حول مستقبل الحسكة
اتفاق بمهلة قصيرة ورسائل ثقيلة
وفق ما ورد في بيان الرئاسة السورية، منحت قوات قسد مهلة لا تتجاوز أربعة أيام فقط لتقديم خطة تفصيلية لآلية دمج مناطق الحسكة إداريا وأمنيا ضمن مؤسسات الدولة السورية، ومهلة قصيرة تحمل في مضمونها رسالة حازمة مفادها أن زمن المناورات الطويلة قد انتهى، وأن الخيارات باتت محدودة.
الأكثر إثارة للانتباه في بنود التفاهم هو الحديث عن تمثيل سياسي وعسكري لقسد داخل بنية الدولة، عبر طرح قائدها مظلوم عبدي لمنصب مساعد وزير الدفاع، إلى جانب ترشيح شخصية من صفوفها لمنصب محافظ الحسكة. خطوة تبدو ظاهريا تصالحية، لكنها عمليا تفقد قسد صفتها كقوة مستقلة، وتحول قيادتها إلى جزء من السلطة السورية التي طالما ناصبتها العداء.
أوجلان زعيم العمال الكردستاني يحذر: حرب دمشق ضد قسد تهدد مسار السلام في تركيا
تجميد البنادق… مؤقتا
التفاهم تضمن تجميدا للنشاط العسكري ومنع دخول القوات الحكومية إلى القرى ذات الغالبية الكردية، مع الإبقاء على الأمن بيد قوى محلية من أبناء المنطقة.
غير أن هذا البند تحديدا ينظر إليه على أنه إجراء مؤقت أكثر منه ضمانة دائمة، خصوصا مع الحديث عن إدراج مدينة القامشلي في مراحل لاحقة من الاتفاق، ما يفتح الباب أمام إعادة انتشار أوسع للقوات الحكومية.
بالتوازي، أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار في جميع قطاعات العمليات لمدة أربعة أيام، في خطوة بدت كاختبار ميداني لمدى جدية قسد في الالتزام بالتفاهم، وليس تنازلا استراتيجيا طويل الأمد.
رداً على تهديدات الشرع.. آلاف الكرد يزحفون من تركيا والعراق باتجاه شمال شرق سوريا “فيديو”
مخيم الهول… الشرارة التي لا تخمد
التطورات الأخطر جاءت من ريف الحسكة الشرقي، حيث انسحبت عناصر قسد المكلفة بحراسة مخيم الهول، في خطوة بررتها بما وصفته “الموقف الدولي اللامبالي” تجاه ملف داعش.
هذا الانسحاب فتح الباب أمام دخول وحدات من الجيش السوري إلى المنطقة، بالتعاون مع قوى الأمن المحلية، لتأمين المخيم والسجون ومنع هروب عناصر التنظيم.
هذا التحول الميداني لم يكن تفصيلا ثانويا، بل شكل نقطة ضغط مركزية في التفاهم، إذ إن ملف داعش بات ورقة بيد دمشق تستخدم لإثبات أهليتها الأمنية أمام المجتمع الدولي، مقابل تحميل قسد مسؤولية أي انفلات محتمل.
مكالمة الشرع – ترامب: الغطاء السياسي
كشفت مصادر مطلعة أن التفاهم جاء عقب مكالمة هاتفية أجراها الرئيس السوري مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 19 يناير 2026، ناقشا خلالها ما وصف بـ “حماية الشعب الكردي”. ترامب، في مؤتمر صحفي لاحق، أكد أن إدارته تسعى لحماية الأكراد في سوريا، لكن عبر مسار مختلف يقوم على الاندماج داخل الدولة السورية لا عبر كيانات عسكرية مستقلة.
المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، ذهب أبعد من ذلك حين أعلن صراحة أن “المبررات الوظيفية” للشراكة بين واشنطن وقسد انتهت بسقوط تنظيم داعش، مؤكدا أن دمشق باتت مستعدة لتولي كامل المسؤوليات الأمنية، وأن التوجه الأمريكي الجديد يركز على وحدة سوريا.
اتفاق الحسكة 2026: هل طُويت صفحة “الإدارة الذاتية” إلى الأبد؟
قسد في الزاوية الضيقة
رغم ما يبدو من مرونة في الخطاب، فإن التفاهم يفرض على قسد تنازلات عسكرية وسياسية ثقيلة. فالهدنة المؤقتة تمنحها فرصة لإعادة ترتيب دفاعاتها، لكنها في الوقت ذاته تبطئ من سيطرة الحكومة السورية الكاملة على الحسكة، ما يثير شكوكا حول نوايا قسد في الالتزام الحقيقي بالاتفاق.
تقديرات مختلفة تشير إلى احتمال لجوء قسد إلى إطالة أمد التفاوض، أو محاولة الالتفاف على مضمون الاتفاق عبر استدعاء أطراف دولية وإقليمية للتدخل، أو استثمار أي احتكاك ميداني لتحميل الجيش السوري مسؤولية تعثر المسار السياسي.
شرق سوريا بين الصراع والمفاوضات
في المقابل، يبدو أن قسد تعيش موقفا صعبا في ظل الضغوط العسكرية والسياسية والدولية وخاصة من إدارة ترامب مع غياب الحلفاء الأوروبين عن دعم الأكراد.
وأمام هذا الانسداد الدولي، بدأت تبرز ملامح “التفاف كردي” يسعى لتجاوز الحدود الجغرافية، حيث تشير التقارير إلى تحركات من أكراد العراق وتركيا لدعم “قسد” في مواجهة الضغوط المتزايدة من دمشق.
هذا التضامن القومي يهدف بالأساس إلى منع الانهيار الكامل لمشروع الإدارة الذاتية، ومحاولة خلق توازن قوى جديد يمنع دمشق من فرض شروطها “كطرف منتصر”.
ومع ذلك، يبقى هذا الدعم معنويا أو لوجستيا محدودا أمام واقع اعتراف القوى الإقليمية والدولية بسيادة الدولة السورية على كامل أراضيها، وتأكيد واشنطن على أن الانتقال الأمني يجب أن يصب في مصلحة وحدة البلاد.
مصادر لـ”المنشر” تكشف صفقة القامشلي: تحالف جديد بين روسيا و”قسد” يعيد تشكيل خريطة سوريا
مصادر عسكرية أكدت أن الخطط العملياتية للحكومة السورية لدخول المدن الكردية باتت جاهزة في حال انتهاء مهلة وقف إطلاق النار دون نتائج ملموسة، ما يجعل التفاهم أقرب إلى إنذار أخير منه إلى شراكة متكافئة.
إن تسلم الجيش السوري لمناطق حيوية مثل مخيم الهول فور انسحاب “قسد” يبعث برسالة حازمة مفادها أن الدولة السورية لم تعد تقبل بأنصاف الحلول، وأن المبادرة الميدانية باتت بيدها بالكامل، سواء تم ذلك عبر الاتفاق السياسي أو من خلال استئناف القتال.
مستقبل المنطقة بين المماطلة والحسم
تدرك دمشق أن “قسد” قد تلجأ لاستراتيجية إطالة أمد التفاوض لكسب الوقت وإعادة ترتيب دفاعاتها. لكن هذا المناورات تصطدم بحقيقة أن التفاهم الجديد الذي أعقب مكالمة “الشرع – ترامب” قد سحب ورقة “الشرعية الدولية” من تحت أقدام أي تحرك لقوات سوريا الديمقراطية.
وبناء عليه، فإن الأيام القليلة القادمة لن تحدد فقط مصير محافظة الحسكة، بل سترسم ملامح العقد الاجتماعي والعسكري الجديد في شرق سوريا، حيث تبدو الدولة السورية هي الطرف الأكثر ثباتا وقدرة على فرض كلمتها في نهاية المطاف.











