اتفاق دفاع مغرب–إثيوبيا: تحالف جنوب–جنوب يربك خرائط القوة من الصحراء إلى القرن الإفريقي
تفعيل اتفاقية الدفاع الموقعة بين المغرب وإثيوبيا عبر أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة في أديس أبابا يفتح فصلًا جديدًا في خارطة التحالفات العسكرية داخل إفريقيا، إذ ينتقل التعاون بين الرباط وأديس أبابا من مستوى التفاهمات العامة إلى آليات تنفيذية منتظمة تشمل التدريب والصناعة الدفاعية وتبادل الخبرات وتأمين الحدود.
هذه الخطوة تحمل دلالات إستراتيجية تتجاوز البلدين إلى موازين القوى في شمال إفريقيا والقرن الإفريقي، وتنعكس تبعاتها على ملفات حساسة مثل سد النهضة، الصراع في غرب الصحراء، وأمن البحر الأحمر والطرق البحرية.
ما الذى تم تفعيله عمليًا؟
منذ توقيع اتفاقية التعاون الدفاعى فى الرباط منتصف 2025 تم إنشاء لجنة عسكرية مشتركة للإشراف على التنفيذ، لكن الاجتماع الذى عُقد فى أديس أبابا فى يناير 2026 يُعد أول اجتماع دفاعى موسع يُراجع «برنامج العمل» ويحدّد مجالات التعاون التفصيلية.
الاجتماع ضم مسؤولين وخبراء من وزارتى الدفاع والجيشين فى البلدين، وناقش ملفات التعليم والتدريب العسكرى، تنظيم مناورات مشتركة، نقل التكنولوجيا، التعاون فى الصناعات الدفاعية، وتبادل الخبرات فى مجالات مثل الصحة العسكرية والبحث العلمى.
قادة الجانبين وصفوا ما تم الاتفاق عليه بأنه «مرحلة جديدة» و«تطور كبير» فى العلاقات العسكرية، مع تأكيد مغربى على بدء عملية استخدام بعض الإمدادات الدفاعية الإثيوبية، وهو مؤشر على أن التعاون لا يقتصر على التدريب بل يمتد إلى التسليح واللوجستيات.
الدلالات الإستراتيجية للتحالف
المغرب يسعى من خلال هذه الشراكة إلى تعميق حضوره فى إفريقيا جنوب الصحراء والقرن الإفريقى، ضمن رؤية أوسع يقودها الملك محمد السادس لتحويل الرباط إلى فاعل أمنى واقتصادى رئيسى فى القارة، مستندًا إلى دبلوماسية ناعمة مدعومة بأدوات عسكرية وتقنية.
إثيوبيا من جانبها تستثمر فى التعاون مع المغرب لتعزيز قدراتها العسكرية والتكنولوجية، وبناء شراكات مع قوى إفريقية غير مرتبطة مباشرة بالصراعات فى جوارها، بما يخفف من ضغط تحالفات خصومها ويمنحها مجالًا أوسع للمناورة فى ملفات مثل سد النهضة وأمن البحر الأحمر.
على المستوى القارى، يمثل تفعيل الاتفاق رسالة بأن الدول الإفريقية باتت تميل أكثر إلى صيغ «التعاون الجنوب–جنوب» بعيدًا عن الوصاية الغربية أو الروسية المباشرة، مع محاولة خلق توازنات داخلية عبر ربط شمال إفريقيا بالقرن الإفريقى فى إطار أمنى مشترك.
تبعات على الجوار الإقليمى
بالنسبة للجزائر، التى تعيش توترًا مزمنًا مع المغرب على خلفية ملف الصحراء الغربية، يشكل تعزيز التعاون العسكرى بين الرباط وأديس أبابا تطورًا مقلقًا؛ إذ يضيف بعدًا إفريقيًا جديدًا لصالح المغرب فى معركة النفوذ داخل الاتحاد الإفريقى والمؤسسات القارية.
فى المقابل، تراقب القاهرة هذا التطور من زاوية مختلفة؛ فإثيوبيا طرف رئيسى فى أزمة سد النهضة، وأى توثيق لشبكة تحالفاتها العسكرية – بما فيها مع المغرب – يعنى امتلاك أديس أبابا أوراق ضغط إضافية فى التفاوض الإقليمى، حتى وإن لم يُعلن عن أبعاد دفاعية مباشرة مرتبطة بالسد.
دول القرن الإفريقى والبحر الأحمر، مثل الصومال والسودان وإريتريا، تنظر بدورها إلى الشراكة الجديدة كجزء من سباق أوسع على النفوذ فى المنطقة، خاصة مع توقيع إثيوبيا اتفاقات دفاعية موازية ووجود قوى عربية ودولية تنافس على الموانئ والممرات البحرية.
الأبعاد العسكرية والتقنيةالاتفاقية تتيح للبلدين تطوير برامج مشتركة فى التدريب، إجراء مناورات ميدانية قد تركز على مكافحة الإرهاب وحماية الحدود وعمليات حفظ السلام، مع احتمال مشاركة مراقبين أو شركاء من دول أخرى فى مراحل لاحقة، بحسب تقييمات لمراكز بحثية متخصصة.
التعاون يشمل أيضًا مجالات مثل الأمن السيبرانى، الذكاء الاصطناعى، وتطوير الصناعات الدفاعية، وهى مجالات حيوية تسعى فيها إثيوبيا للاستفادة من خبرة المغرب وتعاونه مع شركاء غربيين وإقليميين، فيما يستفيد المغرب من موقع إثيوبيا كقوة محورية فى شرق إفريقيا.
هذه البرامج يمكن أن تعزز جاهزية الجيشين وتوفر لهما إمكانات أكبر فى مراقبة الحدود والتعامل مع التهديدات غير التقليدية مثل الجريمة المنظمة وتهريب السلاح والبشر، ما يرفع تدريجيًا مكانة البلدين كفاعلين أمنيين على مستوى القارة.
فرص وتحديات مستقبلية
من جهة الفرص، يستطيع المغرب وإثيوبيا استخدام لجنة الدفاع المشتركة كمنصة لتنسيق المواقف داخل الاتحاد الإفريقى، وتقديم نفسيهما كنموذج للتعاون العسكرى غير المرتبط بالاستقطاب الدولى التقليدى، ما يعزز قدرتهما على جذب شراكات واستثمارات أمنية إضافية.
لكن الاتفاق لا يخلو من تحديات؛ فتصاعد الحساسية الإقليمية من أى تحالفات جديدة قد يدفع أطرافًا منافسة إلى بناء تكتلات مضادة، كما أن ربط التعاون الدفاعى بملفات سياسية شائكة – مثل الصحراء الغربية أو سد النهضة – قد يعرّض الشراكة لضغوط أو ابتزاز دبلوماسى.
نجاح الاتفاقية سيُقاس بقدرة الرباط وأديس أبابا على إدارة هذا التعاون بشفافية داخلية وتوازن خارجى، بحيث يتحول إلى رافعة لاستقرار القارة لا إلى شرارة فى سباق تسلح جديد، وهو ما سيتضح معالمه مع المناورات الأولى، ومستوى انخراط البلدين فى ملفات أمنية مشتركة خلال السنوات المقبلة.











