رسالة سرية تحرج نتنياهو: إيـال زامير يكشف أزمة تجنيد تهدد جاهزية الجيش الإسرائيلي
إيـال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وجّه تحذيرًا غير مسبوق إلى القيادة السياسية من أن الجيش يواجه أزمة بشرية عميقة تهدد جاهزيته القتالية خلال الفترة القريبة المقبلة، بسبب النقص الحاد في الجنود وتباطؤ التشريعات الخاصة بالخدمة الإلزامية والاحتياط.
هذا التحذير، الذي جاء في رسالة رسمية إلى بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس ومسؤولين آخرين، فتح باب جدل واسع داخل إسرائيل حول مستقبل الجيش، ومحدودية قدرة الحكومة الحالية على الاستجابة لمتطلبات الأمن في ظل الاستقطاب السياسي والأزمة المتفاقمة حول تجنيد الحريديم.
مضمون تحذير زامير
زامير بعث في 11 يناير رسالة شديدة اللهجة إلى نتنياهو ووزير الدفاع كاتس ورئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، أكد فيها أن النقص في القوى البشرية «قد يضر بجاهزية الجيش في المستقبل القريب» وأن آثار الأزمة ستظهر بوضوح بدءًا من عام 2027 إذا لم تُتخذ قرارات عاجلة.
الرسالة، التي سرّبتها وسائل إعلام عبرية، تحدثت عن «نقص حاد في المقاتلين» ووصفت الوضع بأنه نتيجة «تحديات غير مسبوقة خلال العامين الماضيين» أثرت في منظومات القوى العاملة داخل الجيش، في إشارة إلى حرب غزة والجبهات المتعددة.
الأسباب العسكرية والسياسية للأزمة
زامير طالب بإعادة مدة الخدمة الإلزامية للجنود الذكور من 30 شهرًا إلى 36 شهرًا وبصورة «فورية وعاجلة وبأثر رجعي»، محذّرًا من أن عدم تمرير هذا التشريع سيؤدي إلى تآكل بنية القوة القتالية وتراجع مستوى التدريب.
حذّر أيضًا من أن عدم رفع سن الإعفاء من خدمة الاحتياط وعدم تمديد مدة استدعاء الاحتياط في الأوقات «الروتينية» يدفع الجيش للاعتماد المتكرر على أوامر الاستدعاء الطارئة، ما يستنزف الجنود وعائلاتهم ويخلق حالة إنهاك مستمرة.
خلف هذه الملاحظات التقنية، تكمن أزمة أعمق مرتبطة بقانون إعفاء «الحريديم» من الخدمة العسكرية، حيث ترى أوساط عسكرية وسياسية أن استمرار الإعفاء يضع عبء الجيش على فئات محددة فقط ويعمّق الإحساس بعدم العدالة داخل المجتمع الإسرائيلي.
خسائر الحرب وتآكل الروح المعنوية
بيانات رسمية نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية تشير إلى أن نحو 923 ضابطًا وجنديًا قُتلوا، وأكثر من 6400 أُصيبوا في صفوف الجيش منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، وهو ما فاقم النقص في المقاتلين وأثّر مباشرة على القدرة على تدوير القوات.
تقارير أخرى تتحدث عن استدعاء جنود يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة لسد الفراغ في الوحدات القتالية، وعن زيادة في حالات الاستنزاف النفسي والأسري بين جنود الاحتياط الذين يتم استدعاؤهم بشكل متكرر منذ شهور طويلة دون أفق واضح لنهاية العمليات.
هذا الواقع أوجد، بحسب محللين إسرائيليين، حالة تراجع في الرغبة بالانضمام إلى الوحدات القتالية والنخبويّة، وزيادة الطلب على الإعفاءات والتأجيلات، ما يهدد جودة القوة البشرية التي اعتمد عليها الجيش لعقود.
ردود الفعل داخل إسرائيل
وزير الدفاع إسرائيل كاتس نشر نص رسالة زامير كاملة على منصة «إكس» في خطوة اعتُبرت محاولة لتأكيد أنه يساند مطالب الجيش، لكنه قلّل من البعد السياسي للرسالة وحاول حصرها في مسألة تمديد الخدمة الإلزامية دون التطرق مباشرة لملف تجنيد الحريديم.
قادة معارضة بارزون مثل غادي آيزنكوت ويائير لابيد وصفوا رسالة زامير بأنها «وثيقة صادمة غير مسبوقة» تكشف فجوة خطيرة بين احتياجات الأمن القومي والقرارات السياسية، واتهموا الحكومة بـ«التقاعس» عن تحمل مسؤوليتها تجاه الجيش.
أحزاب تمثل جنود الاحتياط اعتبرت أن ما ورد في الرسالة ليس جديدًا، بل «يوثّق نداءات ميدانية متكررة» حول نقص المقاتلين وتراجع الجاهزية، مؤكدة أن استمرار الخلاف السياسي حول قانون التجنيد يجعل الجيش يدفع الثمن وحده.
مدلولات التحذير على مستقبل الجيش
تحذير زامير يأتي في لحظة يواجه فيها الجيش الإسرائيلي تهديدات متعددة الجبهات من غزة ولبنان وسوريا وإيران، بينما تجري قيادته مراجعات دورية لـ«الجاهزية الإستراتيجية» وسط عمليات عسكرية مستمرة، ما يضاعف خطورة أي خلل في القوى البشرية.
الرسالة تكشف أيضًا حجم التوتر بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية، إذ سبق أن دخل زامير في سجالات علنية مع وزير الدفاع حول التحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر وتجميد الترقيات، محذرًا من أن التلاعب بالملفات العسكرية لأغراض سياسية يضر مباشرة بجاهزية الجيش.
بهذا المعنى، تحذير رئيس الأركان لا يقتصر على أرقام النقص في الجنود، بل يسلّط الضوء على أزمة أعمق في علاقة الجيش بالمجتمع والحكومة، وعلى احتمال أن تجد إسرائيل نفسها خلال سنوات قليلة أمام جيش أقل عددًا وأضعف تجهيزًا وأكثر انقسامًا داخليًا في مواجهة جبهات مفتوحة في المنطقة.











