منع لجنة إدارة غزة: تل أبيب تعلن العصيان على خطة واشنطن لـ(اليوم التالي)
إسرائيل ثبّتت قرارها بعدم إعادة فتح معبر رفح في هذه المرحلة، وعرقلت في الوقت نفسه دخول لجنة إدارة غزة التقنية إلى القطاع، في خطوة تعكس رفضًا واضحًا لترتيبات ما بعد الحرب التي ترعاها واشنطن والأطراف الوسيطة، وتمثل تحديًا مباشرًا لبنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الخاص بغزة.
القرار يفاقم عزلة القطاع إنسانيًا وسياسيًا، ويضع مصر والوسطاء أمام مأزق جديد بين التمسك برفض التهجير وبين ضرورة إبقاء شريان الحياة مفتوحًا لسكان غزة.
خلفية قرار إغلاق معبر رفح
مجموعة مصغرة من الوزراء في الحكومة الإسرائيلية قررت مؤخرًا عدم إعادة فتح معبر رفح بين غزة ومصر، رغم ضغوط أمريكية لعودة تشغيله ضمن خطة من 20 بندًا طرحتها إدارة الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب على غزة.
القرار يأتي بعد اعتراض إسرائيلي على الترتيبات الجديدة لإدارة القطاع، خاصة الدور الذي أسندته واشنطن لقيادات مرتبطة بتركيا وقطر ضمن هيكل إدارة ما بعد الحرب.
في المقابل، تعتبر حركات المقاومة الفلسطينية أن استمرار إغلاق المعبر خرق صريح لالتزامات إسرائيل في اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، حيث كان من المفترض أن يُعاد فتح رفح أمام المساعدات وإجلاء الجرحى ضمن المرحلة الأولى من التفاهمات.
منع لجنة إدارة غزة من دخول القطاع
اللجنة الفنية المكلفة بإدارة غزة، وهي لجنة «تكنوقراط» مدعومة أمريكيًا ومقرها المؤقت في القاهرة، كان مقرّرًا أن تدخل القطاع عبر معبر رفح هذا الأسبوع لتسلّم الملفات المدنية والإدارية قبل نهاية الشهر.
مصادر فلسطينية أكدت أن الحكومة الإسرائيلية رفضت السماح لأعضاء اللجنة بالدخول، ما دفع الوسطاء إلى تكثيف اتصالاتهم لفرض التزام إسرائيلي ببنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
اللجنة، برئاسة علي شعث، تعهّدت بضمان انتقال منظم للسلطة في غزة، والحفاظ على رواتب الموظفين واستمرارية عمل المؤسسات، فيما أعلنت الجهات الحكومية في القطاع استعدادها لنقل الصلاحيات وتسهيل مهام اللجنة.
حماس أبلغت أعضاء اللجنة خلال لقاءات في القاهرة أنها مستعدة لتسليم الصلاحيات للجنة المستقلة، لكنها شددت على ضرورة التزام إسرائيل بفتح المعبر والسماح بدخول البيوت الجاهزة والمعدات الخاصة بإزالة الركام والمساعدات الإنسانية.
الدوافع الإسرائيلية المعلنة وغير المعلنة رسميًا
تربط إسرائيل إعادة فتح معبر رفح بجملة شروط؛ أبرزها نزع سلاح المقاومة في غزة، وضمان إعادة جثامين وأجساد أسرى إسرائيليين، حيث جرى استخدام ملف الأسرى كورقة ضغط لوقف تدفق المساعدات وإبقاء المعبر مغلقًا.
القرار يعكس أيضًا اعتراضًا سياسيًا من حكومة بنيامين نتنياهو على الصيغة التي وضعتها الإدارة الأمريكية لمستقبل غزة، وعلى تشكيل «مجلس إدارة» أو «لجنة تنفيذية» تضم شخصيات تحظى بدعم تركي وقطري، ما يُنظر إليه في تل أبيب كمساس بهامش المناورة الإسرائيلي.
في الخلفية، تخشى أوساط يمينية داخل إسرائيل أن يؤدي تمكين لجنة إدارة غزة إلى تكريس نموذج حكم مدني جديد، يحد من قدرة الجيش على التحكم المباشر في المعابر، ويضع إسرائيل تحت رقابة دولية أكبر في ما يتعلق بإدخال المساعدات وإعادة الإعمار.
الانعكاسات على غزة ومصر والوسطاء
استمرار إغلاق المعبر يضاعف معاناة سكان غزة الذين يعيشون أصلًا تحت حصار خانق وانهيار شبه كامل للبنية التحتية والخدمات، إذ يُعد رفح الشريان الأساسي لمرور المساعدات وإجلاء المصابين ودخول فرق الإغاثة والمعدات الثقيلة.
مصر، التي ترفض أي ترتيبات يمكن أن تمهّد لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، تتمسك بموقف معلن بعدم تحمل مسؤولية الفشل في إدخال المساعدات، وتحمّل إسرائيل مسؤولية التدهور الإنساني، فيما ترفض القاهرة تنسيقًا ميدانيًا جديدًا يشرعن السيطرة الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من المعبر.
الموقف الإسرائيلي يضع الوسطاء الدوليين أمام اختبار حقيقي؛ إذ إن تعطيل دخول لجنة إدارة غزة يهدد بإفراغ قرارات مجلس الأمن وخطة «اليوم التالي» من مضمونها، ويحوّل وقف إطلاق النار إلى هدنة هشة من دون مسار سياسي أو إداري واضح.
في ظل هذا الانسداد، يبقى معبر رفح عنوانًا لصراع أوسع على هوية الجهة التي ستدير غزة: هل هي لجنة تكنوقراط مدعومة من واشنطن والعواصم العربية، أم أن تل أبيب تفضّل استمرار حالة «اللا حسم» التي تسمح لها باستخدام المعابر ورقة ضغط سياسية وأمنية كلما أرادت؟











