مواجهة أمريكية-أوروبية وتهديد النظام الدولي تتصدر النقاش في منتدى دافوس الاقتصادي
هيمنت التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين على فعاليات التجمع السنوي في منتجع جبال الألب السويسرية، حيث حذّر قادة عالميون من تفكك النظام الدولي، وتصاعد النزعة الأحادية، وتهديدات الذكاء الاصطناعي لسوق العمل العالمي.
توترات أمريكية ـ أوروبية ونظام دولي متآكل
انصبّ الحديث في دافوس حتى الآن على التوترات المتصاعدة بشأن تهديدات الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على حلفائها الأوروبيين على خلفية قضية غرينلاند، وسط تحذيرات من تصدّع التحالفات وتآكل النظام الدولي القائم على القواعد.
وظل حضور ترامب طاغيًا على الأيام الأولى من المنتدى عبر منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي وتسريبات لرسائل خاصة، من بينها رسالة إلى رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، ربط فيها مطالبه بشأن غرينلاند بعدم فوزه بجائزة نوبل للسلام.
وقد وصل أنا الرئيس الأمريكي، الذي يحضر المنتدى بأكبر وفد أمريكي على الإطلاق رغم مشكلات واجهت طائرته الرئاسية خلال الرحلة، وقد لمح بالفعل إلى طبيعة الرسالة التي سيوجهها للحضور، قائلاً الثلاثاء: «لا عودة إلى الوراء».
أبرز التصريحات المتداولة في دافوس حتى الآن
تفكك النظام العالمي
قدّم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكثر التحذيرات تداولًا في المنتدى، خلال خطابه يوم الثلاثاء، بشأن الابتعاد عن التعددية الدولية.
وقال ماكرون:
«إنه تحول نحو عالم بلا قواعد، حيث يُداس القانون الدولي، وحيث يبدو أن القانون الوحيد الذي يهم هو قانون الأقوى»، في تلخيص واضح للمخاوف الأوروبية من تصاعد النزعة الأحادية.
وأضاف ماكرون، الذي يقود الدعوات لتفعيل آليات الدفاع التجاري الأوروبية، أن الخيار المطروح أمام الديمقراطيات بات حاسمًا، قائلاً:
«نحن نُفضّل الاحترام على التنمّر… ونُفضّل سيادة القانون على الوحشية».
وفي خطاب حظي باهتمام واسع، قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إن العالم يشهد تغييرًا لا رجعة فيه:
«نحن في خضم قطيعة، لا مرحلة انتقالية، والنظام العالمي القديم لن يعود».
وأضاف:
«في عالم التنافس بين القوى الكبرى، أمام الدول المتوسطة خياران: إما التنافس على نيل الرضا، أو الاتحاد لصناعة مسار ثالث مؤثر… إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».
لهجة تصعيدية من الولايات المتحدة
وجّه حاكم ولاية كاليفورنيا، غافين نيوسوم، واحدة من أكثر الخطابات حدة، داعيًا القادة الأوروبيين إلى «التوقف عن التواطؤ» و«إظهار بعض الصلابة» في مواجهة مطالب ترامب بشأن غرينلاند.
وقال نيوسوم:
«لا أستطيع تحمّل هذا التواطؤ… الجميع يستسلم. كان يجب أن أحضر معي واقيات ركبة لكل قادة العالم. آمل أن يدرك الناس كم يبدو هذا المشهد مثيرًا للشفقة على الساحة الدولية».
ويُنظر إلى نيوسوم على نطاق واسع باعتباره صوتًا ديمقراطيًا بديلًا لإدارة ترامب، تمهيدًا لاحتمال خوضه سباق الرئاسة عام 2028.
الأمن عبر الأطلسي ومخاطر التجارة
دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى تجنب التصعيد، محذّرة من المخاطر التي تهدد تماسك الغرب.
وقالت:
«الدخول في دوامة تصعيد لن يخدم سوى خصومنا الذين نسعى لإبقائهم خارج المشهد الاستراتيجي».
من جانبه، قال الأمين العام لحلف الناتو مارك روته إن الاضطرابات الحالية صرفت الانتباه عن الحرب الروسية المستمرة في أوكرانيا:
«القضية الرئيسية ليست غرينلاند، بل أوكرانيا… أخشى أن نفقد التركيز».
وأضاف:
«هم بحاجة إلى دعمنا الآن، وغدًا، وبعد غد».
وأكد رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده أن المخاوف الاقتصادية تطغى على المنتدى، قائلاً:
«نحن قلقون بشدة من تصاعد الحروب الكبرى، لأن ذلك يمكن أن يقتل النمو العالمي».
الدفاع عن الرسوم الجمركية
دافع الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير عن نهج إدارة ترامب، معتبرًا أن الرسوم الجمركية أداة جيوسياسية مشروعة.
وقال:
«رؤية الرئيس كانت دائمًا تفضيل الحلول التفاوضية، وبالتالي فإن التعرفة الجمركية تُعد إجراءً أقل حدة».
وحذّر الحلفاء الأوروبيين من الرد، واصفًا ذلك بأنه «غير حكيم»، مضيفًا:
«حين تتبع الدول الأجنبية نصيحتي، غالبًا ما تسير الأمور على ما يرام».
وأشار إلى تحول جذري في سياسة الولايات المتحدة بشأن فتح الأسواق، قائلاً:
«السوق الأمريكية لن تكون متاحة للجميع إلى الأبد كما كانت خلال الخمسة والعشرين عامًا الماضية… وقد اكتشفنا أن ذلك كان خطأ».
الذكاء الاصطناعي ومستقبل الوظائف
افتتح الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك، لاري فينك، المنتدى بنبرة نقد ذاتي، قائلاً:
«بالنسبة لكثيرين، يبدو هذا الاجتماع منفصلًا عن الواقع: نخب في عصر شعبوية، ومؤسسة راسخة في زمن انعدام الثقة بالمؤسسات… وهناك قدر من الحقيقة في هذا النقد».
وحذّر فينك من أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد إنتاج إخفاقات الرأسمالية خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث تتركز المكاسب في أيدي مالكي النماذج والبيانات والبنية التحتية، بينما يهدد وظائف أصحاب الياقات البيضاء كما فعلت العولمة سابقًا بالعمالة الصناعية.
بدوره، قال الرئيس التنفيذي لشركة بالانتير، أليكس كارب:
«الذكاء الاصطناعي سيقضي على وظائف العلوم الإنسانية».
وأضاف:
«درست الفلسفة في جامعة نخبوية… وأقولها بصراحة: تسويق هذه المهارة سيصبح صعبًا».
وأشار إلى أن الوظائف ستظل متاحة لمن يمتلكون مهارات مهنية، محذرًا من أن أوروبا تتأخر عن الولايات المتحدة والصين في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.










