في خطابه بمنتدى دافوس، استعار رئيس الوزراء الكندي – مارك كارني – فكرة “إزالة اللافتة” من الكاتب التشيكي والرئيس الأسبق لبلاده، فاكلاف هافل، الذي أوردها في مقاله الشهير “قوة المستضعفين” مُسْتشهِداً بقصة البَقَّال الذي عَلَّق في واجهة متجره لافتة كُتِب عليها “يا عُمَّال العالم اتَّحِدوا”، لا عن قناعةٍ بها، وإنما لتَجنُّب المتاعب بمجاراة السائد .. وفي مقاله ذاك، سَمَّى هافل هذا السلوك “العيش داخل الكذبة”؛ حيث تستمدُّ الأنظمة الشمولية قوتها من الامتثال الصامت أكثر مما تستمدُّها من حقيقة الواقع.
(١)
من داخل هذه الاستعارة، قَدَّم كارني واحداً من أكثر الخطابات الغربية صراحةً في توصيف التَّحوُّل الذي جرى ولا يزال يَتشكَّل في النظام الدولي، معترفاً – من قلب المركز الغربي – بأن ما سُمِّي لعقود بـ “النظام الدولي القائم على القواعد” لم يكن سوى مصلحة لأطرافٍ بعينها أكثر منه واقعاً منضبطاً ومنصفاً، وأن دولاً كثيرة واصلت تعليق اللافتة رغم إدراكها للفجوة بين محتواها والممارسة.
قوة خطاب كارني لا تكمن في لغته المحكمة أو كثافة أمثلته، بل في هذا الاعتراف تحديداً: بأن النظام الذي قُدِّم بوصفه عالمياً ومحايداً كان يُطبَّق بانتقائية، وأن الأقوى احتفظ دائماً بحق الاستثناء .. وبهذا المعنى، يبدو كارني وكأنه يعلن نهاية مرحلة الإنكار، لا نهاية النظام نفسه .. لكنَّ السؤال الجوهري الذي يبرز هنا: هل إزالة اللافتة تعني قطيعة مع منطق الهيمنة، أم إعادة ترتيب شروط التعايش معه؟
(٢)
قَدَّم كارني توصيفاً لما سَمَّاهُ “القطيعة” في النظام الدولي: تَراجُع المؤسسات متعددة الأطراف، تسليح الاندماج الاقتصادي، واستخدام التجارة والتمويل وسلاسل التوريد كأدوات إكراه. وهو توصيف يُعْبِّر بحق عن مأزق الدول غير المُصْنَّفة من الدول العظمى، في عالمٍ يتجه نحو مزيدٍ من السيولة والاضطراب.
غير أن الانتقال من التشخيص إلى الاستنتاج يكشف طبيعة المقاربة التي يقترحها .. فبدلاً من مواجهة أخلاقية مع منطق القوة، ينتقل كارني إلى لغة إدارة المخاطر: الاستقلالية الاستراتيجية، تقليص التعرض للابتزاز، وبناء القدرة على تَحْمُّل الضغوط. أي أن “العيش في الحقيقة” لا يعني هنا كسر قواعد اللعبة، بل تحسين شروط اللعب داخل ميدانها .. وبهذا المعنى، تَتحوَّل استعارة هافل من دعوة أخلاقية للتغيير إلى أداة سياسية براغماتية، لأن الدعوة لإزالة اللافتة لا تأتي احتجاجاً على الكذبة بقدر ما تأتي لأن كلفة تعليقها أصبحت أعلى من كلفة إزالتها.
(٣)
يقترح كارني ما وصفه بـ “الواقعية القائمة على القيم”، في محاولة للجمع بين الالتزام بالمبادئ والعمل في عالم غير مثالي. وهذا طرح جذَّاب لغوياً، لكنه ملتبس سياسياً .. فبينما يؤكّد احترام السيادة وحقوق الإنسان وحظر استخدام القوة، يربط القدرة على الدفاع عن هذه القيم ببناء القوة الاقتصادية والعسكرية وتقليص الهشاشة أمام الإكراه. ويبلغ الالتباس ذروته حين يقول صراحةً: “لم نعد نعتمد فقط على قوة قيمنا، بل أيضاً على قيمة قوتنا”، ثم يضيف: “لا ينبغي أن يعمينا صعود القوة الصلبة عن حقيقة أن قوة الشرعية والنزاهة والقواعد ستظل قوية، إذا اخترنا أن نستخدمها معاً”، صحيح أنه هنا لا ينكر قيمة الشرعية والنزاهة والقواعد، لكنه يربط فاعليتها بشرط القدرة على استخدامها، لا بكونها معياراً مُلزِماً بذاته، بما يُبقي القيم رهينة ميزان القوة لا حَكَماً عليه. وهنا تنقلب المعادلة؛ فلا تعود القيم مرجعية يُحْتَكم إليها عندما تتعارض مع المصالح. ومن ثمّ، لا يُقَدِّم الخطاب إجابة عن التساؤل الحاسم: ماذا يحدث عندما تتعارض القيم مع المصالح؟ وكيف يمكن ضمان الاتساق في تطبيق المعايير في عالم مختلّ ميزان القوة؟ إن الصمت عن هذا التساؤل يعيد إنتاج الإشكال ذاته الذي يعترف به الخطاب.
(٤)
يدعو كارني القوى المتوسطة إلى العمل معاً، لا باعتبارها تابعاً للقوى العظمى ولا منافساً مباشراً لها، بل ككتلة قادرة على خلق “مسار ثالث”، إلا أن هذا الطموح يصطدم بحدود عملية. فالتحالفات التي يعددها الخطاب تشير إلى أن هذا المسار لا يخرج فعلياً عن الفضاء الاستراتيجي الغربي، بل يسعى إلى إعادة تنظيمه بطريقة أقل هشاشة وأعلى قدرة على الاحتمال .. بكلماتٍ أخرى، هي دعوة لتحسين شروط التفاوض أكثر من كونها دعوة لإعادة تعريف القواعد بغرض تصحيحها.
(٥)
تَمَيَّز خطاب كارني بالجرأة في توصيف الواقع، وبالاعتراف بالنفاق الذي يَسِم النظام الدولي، لكنه وقف عند هذا الحد وصمت عن سؤال العدالة العالمية وعن اختلالات التاريخ الاستعماري التي تأسَّس عليها هذا النظام.
ولا تحضر دول ما يُعْرَف بـ “العالم الثالث”، في خطاب كارني، إلا بوصفها مجالاً لإدارة الاستقرار، لا طرفاً مُؤثِّراً في صياغة النظام الدولي، رغم أنها الأكثر تَضْرَّراً من اختلالاته .. ومعلوم أنه اعْتُرِف لهذه الدول بالاستقلال والسيادة لكنَّ الاستعمار استمرَّ بصورٍ جديدة، كما أشار لذلك المُفكِّر الاجتماعي المارتنيكي فرانز فانون في كتابه “المُعَذَّبون في الأرض”، أما السيادة – التي تَجسَّدت مظاهرها في نشيدٍ وعلمٍ ومقعدٍ في الأمم المتحدة – فظَلَّت في إطار النظام الدولي القائم ولم تمنح هذه الدول قدرة فعلية لإعادة تصميم “قواعده” لتحقيق قدرٍ من التوازن. وقد اِضْطُرَّت، تبعاً لذلك، للخضوع لهذه القواعد والانصياع لمفاعيلها تحت وطأة الاختلال في ميزان القوة، في وضعٍ أقرب إلى الإكراه منه إلى التعاون على أسُسٍ عادلة.
ومنذ حقبة حركات التحرر الوطني في ستينيات القرن الماضي، تَبيَّن لكثير من دول الجنوب أن الاستقلال السياسي لا يعني الخروج من منظومة الهيمنة، وأن القواعد تُفَعَّل حين تخدم الأقوياء وتُعَلَّق حين تَمَسُّ مصالحهم .. وفي هذا السياق، لا يعدو ما يسميه كارني اليوم “قطيعة” سوى اكتشاف متأخر لتجربة عاشها الآخرون مُبَكِّراً، ودفعوا كلفتها من السيادة والاستقرار والتنمية.
(٦)
تكمن أهمية خطاب مارك كارني في صراحته، لا في وعوده .. فهو يُقِرُّ بأن “اللافتة” لم تعد صالحة للاستخدام، وأن التظاهر بالالتزام بقواعد لا تُحْتَرم لم يعد مجدياً. غير أن إزالة اللافتة لا تصبح فعلاً تحررياً بمجرد الحديث عنها، بل حين يَتحوَّل ذلك إلى استعداد لدفع كلفة الحقيقة، لا إدارتها فقط.
ففي عالمٍ يتراجع فيه الالتزام بالقواعد، لا يكفي الاعتراف بزيف السرديات القديمة، ولكن يصبح من الضروري اختبار صدق البدائل المقترحة. فإدراك الحقيقة، إن لم يقترن بإرادة لمساءلة علاقات القوة ذاتها، لا يتجاوز كونه وعياً مريحاً، وصيغة مهذبة للتَكَيُّف مع واقعٍ جائر.
(٧)
صفوة القول: يُحْسَب لرئيس الوزراء الكندي أنه كسر قدراً من الإنكار في الخطاب الغربي وسَمَّى الأشياء بأسمائها، وهو ما ندر أن يصدر عن مسؤول رفيع يتحدث من داخل المركز الغربي نفسه .. ولكن، في عالمٍ تَسَلَّلت فيه غريزة التَّوَحُّش من مجتمع الغابة إلى المجتمع الإنساني – حيث يَفْرِض الأقوى شروطه ويُحَقِّق مصالحه ولو على حساب استغلال موارد الآخرين وامتصاص عَرَقِهم، أو حتى سفك دمائهم – لم يعد السؤال مطروحاً عن توصيف هذا الواقع الجائر فحسب، وانما عَمَّن يملكون القدرة والإرادة المشتركة
لتغييره وإعادة الاعتبار لمعنى التعاون الإنساني؟










