تدريب وسلاح ونفوذ: ماذا تريد الدوحة من بوابة الجيش الصومالى؟
التعاون العسكري بين الصومال وقطر دخل مرحلة جديدة مع توقيع اتفاقية دفاع شاملة في الدوحة في يناير 2026، استهدفت تعزيز قدرات الجيش الصومالي وبناء شراكة أمنية أعمق بين البلدين في قلب تنافس إقليمي على النفوذ في القرن الإفريقي.
الاتفاق يركز على التدريب وبناء القدرات والتنسيق الأمني، لكنه يفتح أيضًا بابًا واسعًا للجدل حول حدود الدور القطري في الأمن الصومالي، وعلاقته بصراع المحاور مع الإمارات وتركيا والقوى الدولية الحاضرة عسكريًا في البلاد.
تفاصيل الاتفاق الدفاعي الجديد
وقّع وزير الدفاع الصومالي أحمد معلّم فقي ونظيره القطري الشيخ سعود بن عبد الرحمن بن حسن آل ثاني اتفاقية تعاون دفاعي على هامش معرض ومؤتمر الدوحة الدولي للدفاع البحري «DIMDEX 2026
البيانات الرسمية من وزارة الدفاع الصومالية ووكالة الأنباء «سونّا» أوضحت أن الاتفاق يهدف إلى «تعزيز العلاقات العسكرية» و«توسيع التنسيق الأمني» بين الجانبين، في إطار شراكة طويلة الأمد في مجالات الدفاع والأمن.
تنص الاتفاقية على التعاون في مجالات التدريب العسكري، تبادل الخبرات، تطوير القدرات الدفاعية، وإنشاء أطر للتنسيق الأمني المشترك، لدعم جهود تحقيق الاستقرار في الصومال والمنطقة.
مكاسب الصومال: جيش أقوى وشراكة جديدة
بالنسبة لمقديشو، يوفر التعاون مع قطر مصدرًا مهمًا لبناء قدرات الجيش الوطني بعد سنوات من الاعتماد الكبير على بعثات الاتحاد الإفريقي وقوات أجنبية في مواجهة حركة الشباب، خاصة أن الاتفاق يأتي في لحظة سحب تدريجي لقوات «أتميس» وتزايد الحاجة إلى قوات صومالية مؤهلة.
الاتفاق يعزز مسار «تنويع الشركاء» بعد إنهاء عقود دفاعية وأمنية مع الإمارات، ما يسمح للصومال بعدم الارتهان لطرف واحد في ملف حساس مثل تدريب القوات وتسليحها، وإن كان ذلك يفتح منافسة جديدة بين العواصم الخليجية على كسب نفوذ داخل المؤسستين العسكرية والأمنية.
من الناحية العملياتية، يتوقع أن تتركز برامج التدريب على مكافحة الإرهاب، أمن الحدود، حماية المنشآت الحيوية، وربما الأمن البحري على المدى المتوسط، في ظل أهمية سواحل الصومال وخطر القرصنة وتهريب السلاح والفصائل المسلحة.
الدور القطري وخريطة النفوذ في الصومال
قطر ليست جديدة على الساحة الصومالية؛ فقد شاركت سابقًا في تدريب جنود صوماليين داخل تركيا، حيث أظهرت صور نشرتها وزارة الدفاع التركية ضباطًا قطريين يشرفون على تدريب وحدات كوماندوز صومالية، ما أثار انتقادات من معارضي الحكومة في مقديشو الذين اتهموا الدوحة بالتأثير في تشكيل وحدات نخبوية موالية لطرف سياسي بعينه.
الاتفاق الجديد يُنظر إليه كخطوة لترسيخ هذا الدور، مع انتقال التعاون من «دعم عبر الحلفاء» (تركيا) إلى «شراكة مباشرة» بين الدوحة ومقديشو، في وقت تتمدد فيه شبكة القواعد والتفاهمات العسكرية في القرن الإفريقي بين واشنطن وأنقرة وأبوظبي وقوى أخرى.
تقارير تحليلية أشارت إلى أن قطر تسعى عبر هذا الاتفاق إلى ربط المساعدات المالية والاستثمارية بقنوات أمنية، بما يسمح لها بلعب دور «الوسيط وصانع الترتيبات» في ملفات داخلية صومالية متشابكة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية.
الجدل الداخلي والمخاطر المحتملة
في الداخل الصومالي، يثير كل اتفاق عسكري خارجي حساسية كبيرة، بسبب تاريخ استخدام بعض الوحدات المدربة أجنبيًا في صراعات سياسية داخلية، كما حدث مع وحدات دربتها تركيا واشتكى معارضون من توظيفها ضدهم، وهو ما يغذّي مخاوف من أن يتحول الدعم القطري إلى ورقة بيد الحكومة الحالية في مواجهة خصومها.
استمرار الحرب مع حركة الشباب، ووجود أكثر من فاعل خارجي (الولايات المتحدة، تركيا، الاتحاد الأوروبي، بعثات الاتحاد الإفريقي)، يعني أن إدخال لاعب إضافي مثل قطر في قلب المنظومة الأمنية قد يزيد من تعقيد عملية التنسيق ويخلق تداخلًا في سلاسل القيادة والتخطيط.
مع ذلك، ترى الحكومة الصومالية أن الاتفاق مع الدوحة يقوّي موقفها في إعادة هيكلة القطاع الأمني، ويوفر لها تمويلًا وتدريبًا يسرّع من نقل مسؤوليات الأمن من القوات الأجنبية إلى الجيش الصومالي خلال السنوات المقبلة
انعكاسات إقليمية على القرن الإفريقي والخليج
التوقيع مع قطر يأتي بعد أعوام من تنافس خليجي–تركي–دولي على الموانئ والقواعد في القرن الإفريقي، حيث تمتلك تركيا قاعدة كبيرة في مقديشو، وتسعى الإمارات والسعودية إلى موطئ قدم في موانئ ومناطق نفوذ مجاورة، فيما تبني الولايات المتحدة قواعد لتدريب الجيش الصومالي.
دخول قطر باتفاق دفاعي رسمي مع الصومال يعزز ما يُشبه «سباق قواعد وتدريب» في منطقة تشكل بوابة البحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية، ما يثير مخاوف من أن تتحول الساحة الصومالية إلى مساحة تصفية حسابات بين محاور متنافسة أكثر من كونها ساحة لبناء دولة مستقرة.
مستقبل التعاون العسكري الصومالي–القطري سيتحدد بقدرة الطرفين على توجيهه فعليًا نحو بناء مؤسسات وطنية مهنية، بعيدًا عن الاستقطاب الداخلى والإقليمى، وبمدى شفافية الاتفاق وبرامجه أمام الرأى العام الصومالي، في بلد يدفع منذ عقود ثمن التسليح الخارجى غير المنضبط والصراعات بالوكالة.










