خطوةٍ وُصفت بأنها ضربة جديدة للوجود الفلسطيني في القدس الشرقية، أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، فجر يوم الأربعاء، على هدم المبنى الرئيسي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في حي الشيخ جراح، تحت حماية مشددة من قوات الشرطة الإسرائيلية، تمهيدًا لتنفيذ مشروع استيطاني ضخم يضم نحو 1400 وحدة سكنية إسرائيلية على أنقاض المقر، في واحدة من أكبر عمليات الاستبدال العمراني التي تستهدف طمس أي وجود عربي أو أممي في المدينة المحتلة.
وقد بدأت جرافات الاحتلال عملها في ساعات الفجر الأولى بعد أن طوقت المنطقة بالكامل ومنعت الصحفيين والسكان من الاقتراب، بينما سُمعت أصوات الهدم وهي تدوي في أنحاء الحي.
وقال شهود عيان إن العملية جرت بصورة مفاجئة رغم أن المبنى كان ما يزال يستخدم لتخزين وثائق وسجلات تابعة للأونروا، كما كان مركزًا لأنشطة تعليمية وصحية يستفيد منها مئات اللاجئين في القدس.
مسؤولو “الأونروا” أعربوا عن صدمتهم العميقة إزاء الخطوة الإسرائيلية التي تمثل، بحسب بيان رسمي صدر من مكتب الوكالة في القدس، “انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولاتفاقيات الأمم المتحدة التي تضمن حرمة مقار المنظمات الدولية”.
وأكدت الوكالة أن ما جرى “لن يمر بصمت”، مشيرة إلى أنها تدرس مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن خطوات قانونية ودبلوماسية لمساءلة إسرائيل.
في المقابل، بررت بلدية الاحتلال الهدم بأنه جاء “لتنفيذ مشروع تطويري ضمن خطة بناء سكنية تهدف إلى تلبية احتياجات السكان اليهود في المدينة”، زاعمة أن المبنى “غير مرخص ويقع على أرض مخصصة للاستعمال العام”.
غير أن منظمات حقوقية إسرائيلية، مثل “السلام الآن” و”بتسيلم”، رفضت هذه التبريرات واعتبرتها “غطاءً سياسيا للاستيلاء على أراضٍ فلسطينية وتهويد القدس الشرقية بشكلٍ ممنهج”.
ويشير محللون إلى أن المشروع الجديد يأتي في إطار خطة حكومية أكبر أُقرت نهاية عام 2025 لبناء أكثر من عشرة آلاف وحدة استيطانية داخل الأحياء الفلسطينية في شمال القدس وشرقها، بما في ذلك الشيخ جراح ورأس العامود وجبل المكبر.
الهدف، وفق منظمات المتابعة الفلسطينية، هو “تقطيع أوصال القدس الشرقية وإحكام الحزام الاستيطاني الذي يفصلها عن الضفة الغربية”.من الناحية السياسية، يُنظر إلى الهدم كتصعيد مباشر ضد الأمم المتحدة وضد وكالة “الأونروا” تحديدًا، التي كانت منذ عقود تُعد الشاهد الحي على قضية اللاجئين الفلسطينيين.
فإسرائيل تسعى منذ سنوات لتقليص دور الوكالة وإلغاء صفتها القانونية، بدعم من جهات يمينية داخل الحكومة تعتبر الأونروا “أحد أسباب استمرار قضية اللاجئين”.
وتؤكد مصادر دبلوماسية أن تل أبيب تسعى لتحقيق “حسم رمزي” بإزالة المقر من الوجود كجزء من معركتها ضد الذاكرة الجماعية للفلسطينيين في القدس.وفي موازاة ذلك، خرجت تظاهرات غاضبة في عدة أحياء مقدسية، رفع المشاركون خلالها أعلام فلسطين ولافتات تندد بتهجير السكان، بينما شهدت محاولات لقمع المتظاهرين واعتقال عدد من الناشطين، بينهم موظفون سابقون في “الأونروا”.
على الصعيد العربي والدولي، أدانت الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي الخطوة الإسرائيلية، داعيتين المجتمع الدولي إلى “التحرك العاجل لوقف سياسة التدمير الممنهجة لمؤسسات الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية”.
كما عبّرت الاتحاد الأوروبي عن “قلق بالغ”، مؤكداً أن بناء مستوطنات جديدة في القدس الشرقية “غير قانوني ويقوض حل الدولتين”.
في غزة والضفة الغربية، صدرت بيانات عن الفصائل الفلسطينية تصف عملية الهدم بأنها “إعلان حرب على الشعب الفلسطيني وعلى اللاجئين”، بينما اعتبرتها السلطة الفلسطينية “تحديًا سافرًا للأمم المتحدة ومبعوثيها”.
وطالب رئيس الوزراء الفلسطيني المجتمع الدولي بـ”فرض عقوبات على إسرائيل وإلزامها بوقف مشاريع التهويد”.
من جهة أخرى، يرى مراقبون أن التوقيت يحمل أبعادًا انتخابية داخلية في إسرائيل، إذ يسعى رئيس الوزراء الحالي لاستخدام المشاريع الاستيطانية كورقة ضغط وكسب دعم اليمين المتشدد.
كما أن هدم مقر منظمة دولية يمنح حكومته مظهر “التحدي للضغوط الخارجية” في ظل انتقادات أمريكية غير معلنة.ويُتوقع أن يشتد الجدل خلال الأسابيع المقبلة مع بدء تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع الاستيطاني الذي يتضمن إقامة مجمع سكني وتجاري ومراكز ثقافية إسرائيلية في الموقع ذاته، وتحويل الفضاء المحيط به إلى “حديقة توراتية” وفق الخطط البلدية.
في المقابل، تعهدت منظمات مقدسية بمواصلة النضال القانوني عبر المحاكم الإسرائيلية والدولية لوقف المشروع، فيما يعمل دبلوماسيون من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي على بلورة رد دولي أقوى قد يتضمن طلب جلسة طارئة في مجلس الأمن.
الهدم إذًا، يتجاوز حادثًا عمرانيًا؛ إنه رسالة سياسية موجهة للعالم مفادها أن إسرائيل ماضية في مشروعها لتغيير هوية القدس وتفكيك رمزية المنظمات الأممية فيها، بينما يقف الفلسطينيون أمام تحدٍ جديد يتعلق ببقاء مؤسساتهم وحقوقهم التاريخية في المدينة.








