تركيا تتصدر المشهد في البحر الأسود وتطرح مبادرة لإدارة وتأمين المنطقة بعد الحرب الأوكرانية
أنقرة –22 يناير 2026
في خطوة استراتيجية تحمل دلالات جيوسياسية مهمة، أعلنت تركيا عن مبادرة لإدارة وتأمين البحر الأسود، وذلك في أعقاب الحرب الأوكرانية التي أعادت تشكيل توازنات القوى في المنطقة. وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقاءات ببغايات التفاوض على اتفاق السلام بين روسيا وأوكرانيا أن أمن البحر الأسود سيكون من الأولويات التي تتطلب تعاونًا إقليميًا واسعًا، خصوصًا مع انتهاء الحرب.
أهمية البحر الأسود بعد الحرب
يمثل البحر الأسود مساحة استراتيجية حيوية تربط بين أوروبا وآسيا الوسطى وشرق البحر المتوسط، وتطل عليه ست دول، هي: روسيا، أوكرانيا، جورجيا، رومانيا، بلغاريا، وتركيا. وتبلغ مساحة البحر الأسود نحو 461,000 كم² مع سواحل يبلغ طولها نحو 1,175 كم، وهو يشكّل ممرًا مهمًا للطاقة والتجارة العالمية، لاسيّما في ما يتعلق بنقل النفط والحبوب.
وقد برزت أهمية البحر الأسود بشكل أكبر بعد الحرب الأوكرانية، حيث تضررت حركة الملاحة البحرية وأغلقت روسيا موانئ أوكرانية استراتيجية، مما أثّر على صادرات الحبوب والطاقة إلى أسواق العالم.
الدوافع التركية للمبادرة
تركيا، بصفتها أكبر دولة مطلة على البحر الأسود وعضوًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ترى في البحر الأسود أحد خطوطها الدفاعية الاستراتيجية وأحد مصادر قوتها الجيوسياسية. وتشمل الدوافع الرئيسية للمبادرة ما يلي:
تأمين الحدود الشمالية
شهدت تركيا خلال ديسمبر الماضي سقوط طائرات مسيرة مجهولة داخل أراضيها قادمة من ساحل البحر الأسود، كما تعرّضت سفن تركية للاستهداف في موانئ قريبة من خطوط الصراع الأوكراني، ما عزز مخاوف أنقرة من امتداد الحرب إلى حدودها وتهديد أمنها القومي.
تحقيق سلامة الملاحة البحرية
يدرك مجلس الأمن التركي أن تأمين الموارد والنقل البحري في البحر الأسود أمر أساسي لضمان استقرار أسواق الطاقة والحبوب، خصوصًا في ظل الاضطرابات التي سببها النزاع الأوروبي. ومن هنا دعت أنقرة إلى اتفاق يضمن سلامة الملاحة في البحر الأسود ويحمي منشآت الطاقة والحبوب عبر ضامن أمني تركي أو دولي.
تعزيز الدور الإقليمي لتركيا
ترى أنقرة في المبادرة فرصة لتعزيز دورها الإقليمي والدولي، من خلال تبني مسؤولية أمن البحر الأسود، ما يعزز مكانتها داخل الناتو ويضعها في قلب السياسات الأمنية للمنطقة، خصوصًا لدى الدول الأوروبية المطلة على البحر مثل رومانيا وبلغاريا وجورجيا.
المضائق التركية ودورها الاستراتيجي
يمثل المضيقان التركيّان الدردنيل والبوسفور مفصلًا حيويًا في حركة السفن من البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط والعكس. وتمنح السيطرة التركية على المضائق القدرة على تنظيم مرور السفن التجارية والحربية، كما تتحكم في نقل النفط والحبوب من وإلى أوروبا وآسيا.
الاتفاقيات الدولية القائمة، وعلى رأسها اتفاقية مونترو، تمنح تركيا سلطة تنظيم مرور السفن حتى في حال نشوب الصراعات، وهو ما عزز موقع أنقرة كلاعب رئيسي في أمن البحر الأسود، مع تحذيرها المستمر بأن كسر هذه القواعد سيؤدي إلى تصعيد أمني وعسكري بالمنطقة.
التنافس الإقليمي مع روسيا
تركيا تواجه تحديًا واضحًا مع روسيا، التي تُعد أقوى قوة بحرية في البحر الأسود، وتقع قواعد أسطولها في سيفاستوبول بشبه جزيرة القرم. بعد الحرب الأوكرانية أصبحت روسيا تهيمن فعليًا على معظم السواحل الأوكرانية، وتمنع تصدير الحبوب والطاقة عبر الموانئ التقليدية.
وتعتبر موسكو البحر الأسود منطقة نفوذ خاص، وترفض منح تركيا إدارة كاملة لسواحله، مما يزيد من عمق التنافس الإقليمي بين أنقرة وموسكو حول مستقبل أمن الملاحة والسيطرة البحرية.
دور حلف الناتو والموقف الأوروبي
ترى دول الناتو المطلة على البحر الأسود، وعلى رأسها تركيا، رومانيا، وبلغاريا، أن دور أنقرة في تأمين المنطقة بعد الحرب الأوكرانية سيكون أساسيًا لتعزيز الأمن الإقليمي. وتعكس هذه الـتحركات مساعي تركيا لتعزيز تعاونها مع الحلف، وتأكيد قدرتها على احتضان دور قيادي في مواجهة التحديات الأمنية متعددة الأبعاد.
التعاون الإقليمي وآفاق المستقبل
تركيا تعمل حاليًا على تعزيز التعاون الإقليمي في البحر الأسود عبر:
• دعم اجتماعات منتظمة مع الدول الأوروبية المطلة على البحر، مثل الاجتماعات الثلاثية السنوية مع رومانيا وبلغاريا لمناقشة الأمن والتجارة والطاقة.
• الدفع بمشاريع مشتركة لمكافحة الألغام البحرية وتعزيز السلامة في الممرات الملاحية.
• التنسيق لتعزيز أمن الطاقة والنفط والحبوب بين الدول المطلة على البحر.
وترى أنقرة أن تحقيق ترتيبات أمنية شاملة بعد الحرب الأوكرانية سيؤدي إلى صوغ توازنات جديدة في المنطقة، ويعزز دورها كلاعب إقليمي مؤثر في كل من أوروبا، آسيا الوسطى، والشرق الأوسط.
خاتمة
جهود تركيا لإدارة وتأمين البحر الأسود بعد الحرب الأوكرانية ليست مجرد مبادرة جغرافية أو أمنية، بل تعكس رغبة استراتيجية في إعادة بناء دورها كضامن للأمن الإقليمي، وتأسيس عمق سياسي وعسكري يمكن أن يعزز مصالحها في المستقبل القريب والمتوسط. في ظل تقلبات التوازنات الدولية، تبقى هذه المبادرة واحدة من أهم الملفات التي يمكن أن تعيد رسم خريطة النفوذ في البحر الأسود والمنطقة الأوسع.













