منظمة الصحة متهمة بـ”العداء لإسرائيل”.. لكن من يدفع ثمن الانسحاب؟ المرضى أم الساسة؟
لا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تفيد بأن إسرائيل قد انسحبت فعليًا وبقرار رسمي من منظمة الصحة العالمية، لكن هناك مسار تصعيدي واضح داخل مؤسساتها السياسية نحو هذا الاتجاه، تمثل في نقاشات برلمانية متكررة، ورفض الانضمام للوائح صحية دولية جديدة، ومعارك خطابية تتهم المنظمة بالانحياز ضد إسرائيل.
هذا المسار يفتح بابًا لسيناريو انسحاب محتمل، يُنذر بعزل المنظومة الصحية الإسرائيلية عن أحد أهم أطر التعاون الصحي العالمي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الشراكات لمواجهة الأوبئة والكوارث الصحية.
خلفية التصعيد مع منظمة الصحة العالمية
الخلاف بين إسرائيل ومنظمة الصحة العالمية تصاعد مع تقارير وقرارات اعتبرتها تل أبيب «منحازة» للفلسطينيين، خاصة ما يتعلق بأوضاع غزة والضفة الغربية والقدس، ومشاريع قرارات داخل جمعية الصحة العالمية تنتقد السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
في مارس 2025 ناقشت لجنة الصحة في الكنيست لأول مرة بشكل رسمي موضوع «انسحاب إسرائيل من منظمة الصحة العالمية»، بطلب من نواب من الليكود وتحالفات اليمين الديني المتشدد الذين وصفوا المنظمة بأنها «مُعادية لإسرائيل» و«مسيّسة».
هذا النقاش لم يكن معزولًا؛ إذ جاء ضمن موجة أوسع من انسحاب إسرائيل أو تقليص تعاونها مع مؤسسات دولية، مثل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومنظمات أممية أخرى، بدعوى «التحيز البنيوي» ضدها.
مبادرات الكنيست واليمين للانسحابمع نهاية 2025 وبداية 2026، برزت بقوة شخصية النائبة ليمور سون هار-ميليك، التي تولت رئاسة لجنة الصحة في الكنيست وأعلنت أنها ستدفع باتجاه خطوات عملية للانسحاب من منظمة الصحة العالمية، معتبرة أن المنظمة «أداة سياسية» وأن إسرائيل يمكنها أن تعتمد على شراكات ثنائية بديلة، خاصة مع الولايات المتحدة.
وثائق أعدتها جمعية أطباء الصحة العامة في إسرائيل عرضت على اللجنة البرلمانية حذّرت من أن أي خطوة انسحاب ستؤدي إلى «ضرر كبير بالأمن القومي الصحي» وبقدرة إسرائيل على مواجهة الأوبئة والتنسيق الدولي في حالات الطوارئ.
في موازاة ذلك، دفع تيار يميني آخر نحو خطوة وسط، تمثلت في رفض الانضمام إلى تعديلات اللوائح الصحية الدولية لعام 2024 التي ترعاها منظمة الصحة العالمية، بحجة أنها تمنح المنظمة «صلاحيات واسعة تمس بالسيادة في مجالات الصحة والاقتصاد والأمن».
التداعيات الصحية والعلمية المتوقعة
الوثائق المهنية التي قدمتها منظمات أطباء الصحة العامة إلى الكنيست أشارت إلى أن بقاء إسرائيل داخل منظمة الصحة العالمية يوفر لها وصولًا إلى شبكات مخابر مرجعية، وبيانات عالمية عن الأوبئة، ودعمًا في برامج تطعيم ضد أمراض مثل شلل الأطفال والحصبة والحصبة الألمانية.
حذّرت تلك الهيئات من أن الانسحاب سيؤثر على قدرة إسرائيل على المشاركة في وضع المعايير الدولية للأدوية واللقاحات، وسيضعف إمكانية إدخال العلاجات الجديدة بسرعة، ويعزل الجامعات والمراكز البحثية الإسرائيلية عن جزء مهم من مشاريع التعاون العلمي.
في عالم شديد الترابط، يشكّل الابتعاد عن منظمة الصحة العالمية رسالة سلبية للدول والهيئات الطبية التي تتعاون مع إسرائيل، وقد يمنح حججًا إضافية للجهات التي تدعو إلى مقاطعة المؤتمرات والأبحاث المشتركة معها، كما حذّر خبراء الصحة العامة في تل أبيب
البعد السياسي والدبلوماسي
الدعوات إلى الانسحاب من منظمة الصحة العالمية تأتي في سياق أوسع من توجه الحكومة الإسرائيلية نحو تقليص حضورها في مؤسسات متعددة الأطراف، خاصة بعد انسحابها من بعض الأطر الأممية وقطع/تقليص التعاون مع منظمات إغاثة وإنسانية عاملة في غزة.
سياسيًا، تستخدم قوى اليمين الإسرائيلي خطاب «السيادة الكاملة» ورفض «الإملاءات الدولية» لتبرير هذا المسار، في حين يرى معارضون أن النتيجة الواقعية هي دفع إسرائيل إلى صورة «الدولة المنعزلة» في ملفات الصحة وحقوق الإنسان والقانون الدولي.
على المستوى العملي، ما زال قرار الانسحاب الكامل من منظمة الصحة العالمية لم يُعلن رسميًا حتى الآن، لكن تكرار النقاشات البرلمانية، ورفض اللوائح الصحية الدولية الجديدة، وتصاعد خطاب العداء تجاه المنظمة، كلها مؤشرات تجعل سيناريو الانسحاب أقرب إلى «قرار مؤجّل» يمكن أن يُستخدم كورقة سياسية في لحظة توتر جديدة مع المجتمع الدولي.











