أزمة غرينلاند تكشف عمق التوتر بين واشنطن وبروكسل وتضع أوروبا أمام اختبار صعب لقدرتها على الرد على التهديدات الأمريكية المباشرة.
دافوس، سويسرا – أكد الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي ورئيس الوزراء الدنماركي السابق، آندرس فو راسموسن، خلال مشاركته في منتدى دافوس 2026 أن “وقت التملق للولايات المتحدة والرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد انتهى”، مشددًا على أن أوروبا بحاجة لاتخاذ موقف قوي اقتصاديًا إذا استمرت واشنطن في تهديداتها بفرض الرسوم الجمركية على الدول الأوروبية.
وأضاف فو راسموسن أن ما يهدد حلف شمال الأطلسي هو إصرار ترامب على سيطرته على غرينلاند، معتبرًا أن أوروبا يجب أن تظهر وحدتها وقوتها عبر أدوات الرد الاقتصادية، بما في ذلك أداة مكافحة الإكراه الاقتصادية الأوروبية، التي تمنح الاتحاد صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الأمريكية.
أوروبا بين التحفظ والدبلوماسية
رغم تصاعد التهديدات الأمريكية، قرر الاتحاد الأوروبي عدم اللجوء فورًا إلى أداة مكافحة الإكراه، مفضلاً إعطاء الأولوية للحوار الدبلوماسي مع واشنطن، وتنسيق الموقف الأوروبي قبل القمة المقبلة المقررة في بروكسل.
وأكدت مصادر أوروبية أن هذه الأداة تظل خيارًا مطروحًا في حال فشل الحوار وتصاعد الضغوط الأمريكية، ما يعكس إدارة محسوبة للتصعيد مع إبقاء ورقة الضغط الاقتصادي في الاحتياط.
وأشار الخبراء إلى أن تريّث الاتحاد الأوروبي يعكس إدراكًا لحساسية الصدام التجاري مع الولايات المتحدة، خصوصًا مع استمرار ملفات الأمن والدفاع مثل الناتو وأوكرانيا، ما يفرض درجة من ضبط النفس على القادة الأوروبيين.
تصعيد أمريكي واضح
في خطوة تصعيدية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض تعريفة جمركية بنسبة 10% على جميع السلع القادمة من ثماني دول أوروبية، على أن يبدأ تطبيقها في فبراير 2026. تشمل الدول المستهدفة فرنسا وألمانيا وإسبانيا وهولندا والسويد وبولندا وفنلندا والنرويج.
تهدف هذه الخطوة إلى ممارسة ضغط اقتصادي مباشر على الحكومات الأوروبية لدفعها لمراجعة مواقفها في النزاع المتعلق بالسيادة على غرينلاند، وهو تصعيد واضح لمسار التوتر التجاري والسياسي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ويعتبر هذا التحرك مؤشرًا على تحول الملف من مجرد قضية جغرافية وسيادية إلى نزاع سياسي وتجاري قد يعيد رسم حدود الشراكة عبر الأطلسي.
تعليق الخبراء
تعكس تصريحات فو راسموسن تراجعًا في الاعتقاد الأوروبي التقليدي بضرورة تلطيف العلاقات مع واشنطن، واستعدادًا لاستخدام أدوات اقتصادية قوية للدفاع عن مصالح الاتحاد الأوروبي داخل الحلف نفسه.
كما تبرز الرسالة من الدنمارك، الدولة المعنية مباشرة، ومن حليف سابق في قيادة حلف الأطلسي، عمق الخلاف مع الإدارة الأمريكية الحالية، مما يضيف بعدًا جديدًا على العلاقات عبر الأطلسي يتجاوز الخلافات التجارية البحتة إلى مسألة الالتزامات الدفاعية والسياسية للحلف.
ويشير المحللون إلى أن هذه الأزمة تمثل أول اختبار عملي لقدرة الاتحاد الأوروبي على استخدام أدوات السيادة الاقتصادية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع شريك استراتيجي، مع ضغط الوقت قبل القمة الأوروبية القادمة لتوحيد الموقف.
خلاصة
أزمة غرينلاند تؤكد أن أوروبا بدأت تتجه نحو موقف أكثر حزمًا في مواجهة الولايات المتحدة، مع إبقاء الخيارات الاقتصادية والدبلوماسية في متناول اليد. في الوقت نفسه، يوضح تصعيد ترامب التجاري أن التحالف عبر الأطلسي يواجه اختبارًا جديدًا في القدرة على التكيف مع ضغوط القوة الأمريكية، وسط سعي الاتحاد الأوروبي للحفاظ على مصالحه الاقتصادية والسياسية دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.












