سجّلت معادن الذهب والفضة والبلاتين مستويات قياسية مرتفعة جديدة، اليوم الجمعة، في ظل تصاعد المخاوف الجيوسياسية وتراجع الثقة في الأصول الأمريكية، ما أعاد الزخم بقوة إلى أسواق المعادن النفيسة بوصفها ملاذًا آمنًا للمستثمرين في أوقات عدم اليقين.
وارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.3 في المئة ليصل إلى 4951.91 دولارًا للأوقية (الأونصة) بحلول الساعة 03:58 بتوقيت غرينتش، بعدما لامس مستوى قياسيًا جديدًا عند 4966.59 دولارًا في وقت سابق من جلسة التداول، وهو أعلى سعر يسجله المعدن الأصفر في تاريخه.
وجاء هذا الارتفاع في وقت تتزايد فيه الشكوك حيال متانة الاقتصاد الأمريكي، بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في أكثر من بؤرة عالمية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم محافظهم الاستثمارية والابتعاد تدريجيًا عن الأصول عالية المخاطر.
تراجع الثقة في الأصول الأمريكية
ويرى محللون أن موجة الصعود الحالية في أسعار المعادن النفيسة ترتبط بشكل مباشر بتآكل الثقة في السندات والدولار الأمريكي، نتيجة التباينات المتزايدة في السياسة النقدية، وارتفاع مستويات الدين العام الأميركي، إلى جانب القلق من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
وخلال الأسابيع الماضية، أظهرت بيانات اقتصادية متباينة من الولايات المتحدة إشارات على تباطؤ سوق العمل وتراجع الاستهلاك، ما عزز التوقعات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر إلى خفض أسعار الفائدة في وقت أقرب من المتوقع، وهو عامل داعم تقليدي لأسعار الذهب.
ويؤكد خبراء أن أي تراجع في أسعار الفائدة يقلل من كلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، الذي لا يدر عائدًا، مقارنة بالسندات أو الودائع، ما يعزز الطلب عليه.
الفضة والبلاتين في مسار صاعد
ولم يقتصر الارتفاع على الذهب وحده، إذ واصلت الفضة تسجيل مكاسب قوية، مدفوعة بطلب مزدوج من المستثمرين والصناعة، لا سيما مع توسع استخداماتها في قطاعات الطاقة الشمسية والإلكترونيات.
وسجّلت الفضة أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد، مستفيدة من تقلص المعروض العالمي وارتفاع الطلب الصناعي، في وقت يشهد فيه قطاع الطاقة المتجددة توسعًا غير مسبوق، خصوصًا في آسيا وأوروبا.
أما البلاتين، فقد واصل بدوره صعوده مدعومًا بزيادة الطلب من قطاع السيارات، خاصة في ظل التحول التدريجي نحو المركبات الهجينة، التي لا تزال تعتمد على المحفزات المعدنية في أنظمة العادم، إلى جانب اضطرابات الإنتاج في عدد من الدول الرئيسية المنتجة، وعلى رأسها جنوب أفريقيا.
الصراعات السياسية تعيد رسم خريطة الاستثمار
وتأتي القفزات القياسية في أسعار المعادن النفيسة في ظل بيئة دولية شديدة التعقيد، مع استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط، وعودة المخاوف من توسع النزاعات الإقليمية إلى صدامات دولية أوسع.
كما تلقي المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي، في وقت تتزايد فيه القيود التجارية والتكنولوجية، ما يعزز حالة الضبابية التي تدفع المستثمرين إلى الاحتماء بالأصول الملموسة.
ويقول محللون إن الأسواق لم تعد تتعامل مع هذه الأزمات بوصفها أحداثًا مؤقتة، بل كمصدر دائم للمخاطر، ما يفسر استمرار الطلب المرتفع على الذهب حتى في فترات الهدوء النسبي.
البنوك المركزية لاعب رئيسي
أحد أبرز محركات الصعود التاريخي للذهب يتمثل في مشتريات البنوك المركزية، التي واصلت خلال العامين الماضيين تعزيز احتياطياتها من المعدن الأصفر بوتيرة غير مسبوقة.
وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن البنوك المركزية، خصوصًا في آسيا والشرق الأوسط، كثفت مشترياتها بهدف تنويع الاحتياطيات وتقليص الاعتماد على الدولار الأميركي، في ظل استخدام العملات كأدوات ضغط سياسية في النزاعات الدولية.
وقد ساهم هذا الاتجاه في خلق طلب طويل الأمد على الذهب، منفصل نسبيًا عن تحركات المستثمرين الأفراد وصناديق التحوط، ما منح الأسعار قاعدة دعم قوية قلّصت من حدة أي تصحيحات محتملة.
التضخم والقلق من الركود
ورغم تباطؤ معدلات التضخم عالميًا مقارنة بذروتها في عامي 2022 و2023، فإن المخاوف من عودته لا تزال قائمة، خصوصًا مع استمرار اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة.
وفي الوقت ذاته، يخشى المستثمرون من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة “ركود تضخمي” محتمل، يجمع بين ضعف النمو وارتفاع الأسعار، وهو سيناريو تاريخيًا ما يدفع بأسعار الذهب إلى مستويات مرتفعة.
وتشير مؤسسات مالية كبرى إلى أن المعدن الأصفر بات يشكل عنصرًا أساسيًا في استراتيجيات التحوط، ليس فقط ضد التضخم، بل أيضًا ضد المخاطر النظامية في الأسواق المالية.
هل تستمر موجة الصعود؟
ورغم الزخم القوي، يحذر بعض المحللين من احتمالية حدوث عمليات جني أرباح على المدى القصير، خاصة بعد الارتفاعات الحادة والمتتالية التي دفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
إلا أن غالبية التوقعات متوسطة وطويلة الأجل لا تزال تميل إلى الإيجابية، مع ترجيحات بأن يظل الذهب فوق مستويات 4800 دولار للأوقية خلال الفترة المقبلة، ما لم تحدث مفاجآت كبيرة على صعيد السياسة النقدية أو التهدئة الجيوسياسية.
أما الفضة والبلاتين، فيُتوقع أن تستمرا في الاستفادة من الطلب الصناعي والتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، ما يمنحهما أساسًا قويًا لمزيد من المكاسب.
تحوّل في فلسفة الاستثمار
تعكس القفزات التاريخية في أسعار المعادن النفيسة تحوّلًا أعمق في سلوك المستثمرين العالميين، الذين باتوا أقل ثقة في الأدوات التقليدية وأكثر ميلًا للأصول الحقيقية.
وفي عالم تتزايد فيه الديون السيادية، وتتقلب فيه العملات، وتتشابك فيه الأزمات السياسية والاقتصادية، يعود الذهب وشقيقاه الفضة والبلاتين إلى الواجهة، ليس فقط كسلع استثمارية، بل كرموز للاستقرار في زمن الاضطراب.
وبينما تترقب الأسواق تطورات السياسة النقدية الأميركية ومآلات التوترات الدولية، يبدو أن بريق المعادن النفيسة مرشح للاستمرار، في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمات مالية كبرى شكّلت محطات مفصلية في تاريخ الاقتصاد العالمي.











