تورط الأسلحة الفرنسية والإماراتية في الحرب السودانية رغم حظر الأمم المتحدة
تصاعد الصراع وفشل الانتقال السياسي
منذ أبريل 2023، دخل السودان في حرب أهلية شاملة، بعد سنوات طويلة من التوترات السياسية والاجتماعية. الانقلاب العسكري الذي أطاح بعمر البشير في 2019 ترك البلاد في حالة هشاشة سياسية، إذ فشل الترتيب الانتقالي بين المدنيين والعسكريين في توحيد الفصائل المتنافسة. هذا الفشل سمح بتصاعد العنف بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، النسخة الجديدة للمليشيا المعروفة باسم الجنجويد، والتي ارتكبت جرائم حرب في دارفور مطلع الألفية. بحلول منتصف 2023، تحولت المدن الكبرى مثل الخرطوم وأم درمان إلى ساحات قتال، وانقسمت البلاد فعليًا إلى مناطق متنازع عليها، فيما نزح ملايين المدنيين داخليًا أو فروا كلاجئين إلى الدول المجاورة.
دور الأسلحة الأجنبية في الحرب
مع اشتداد النزاع، ظهرت مؤشرات قوية على استخدام أسلحة ومعدات عسكرية أجنبية في ساحة المعركة. في نوفمبر 2024، أظهرت تحقيقات منظمة العفو الدولية أن ناقلات الجند المدرعة “نمر عجبان”، المصنوعة في الإمارات ومزودة بأنظمة دفاع فرنسية من شركة Galix، كانت مستخدمة على الأرض في مناطق متفرقة من السودان، بما في ذلك دارفور. هذا الاستخدام يشكل خرقًا مباشرًا لحظر الأسلحة الأممي المفروض على الإقليم منذ 2004. كما أكدت تقارير لاحقة من فرانس 24 ووكالة رويترز وجود قذائف هاون عيار 81 ملم صنعتها شركة بلغارية ضمن قوافل الدعم السريع في شمال دارفور، بينما ذكرت الغارديان استخدام معدات عسكرية بريطانية شملت أنظمة استهداف الأسلحة الخفيفة ومحركات المدرعات.
هذه الأسلحة الأجنبية لم تصل بمحض الصدفة، بل تشير التحقيقات إلى أن هناك شبكة معقدة من التصدير والإعادة إلى السودان، بما في ذلك دول إقليمية تعمل كمنصات وسيطة، على الرغم من الحظر الدولي. موردي السلاح الأوروبي، الملتزمين باتفاقات المستخدم النهائي، يتحملون مسؤولية مباشرة عن ضمان عدم وصول هذه الأسلحة إلى مناطق نزاع.
التمويل الأوروبي وتداعياته
بين عامي 2014 و2018، ضخ الاتحاد الأوروبي أكثر من 200 مليون يورو إلى السودان عبر “صندوق الطوارئ الأوروبي لأفريقيا” ومبادرة “الإدارة الأفضل للهجرة”. رسميًا، هدفت هذه الأموال إلى تعزيز السيطرة على الهجرة وأمن الحدود ومكافحة الاتجار بالبشر، إلا أن الواقع كشف أن التمويل رسخ التعاون مع الهياكل الأمنية السودانية، بما فيها وحدات اندمجت لاحقًا ضمن قوات الدعم السريع، وهي الجهة التي ارتكبت انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان وجرائم حرب.
تقرير مشروع “إيناف” عام 2017 بعنوان “مراقبة حدود من الجحيم” حذر من أن قوات الدعم السريع هي المستفيد الأكبر من التمويل الأوروبي، وأن التدخلات الأوروبية غير المباشرة قد عززت إمكاناتها العسكرية. ومع ذلك، واصلت الحكومات الأوروبية، وخاصة البريطانية، إصدار تراخيص جديدة لمصدري الأسلحة، على الرغم من معرفتها أن المعدات قد تصل إلى جهات مسلحة متورطة في النزاع.
جنوب أفريقيا ودورها في أزمة السلاح
ليست الدول الأوروبية وحدها المتورطة، بل جنوب أفريقيا أيضًا واجهت انتقادات حول ضعف الرقابة على شحنات أسلحتها. اللجنة الوطنية للرقابة على الأسلحة التقليدية NCACC واجهت ضغوطًا دولية ومحلية بعد تقارير عن استخدام أسلحة جنوب أفريقية في نزاعات خارجية، مما أدى إلى تعليق أو تأجيل الموافقات على تصدير أصناف “الأشد فتكا”. إلا أنه في 2022 تمت الموافقة على شحنات كانت معلقة سابقًا بعد إعادة التفاوض على شروط “المستخدم النهائي”. مؤخرًا، أشارت التحقيقات إلى احتمال وصول ذخائر جنوب أفريقية إلى السودان، مما يبرز أن الالتزام السياسي وحده لا يكفي لضمان عدم استخدام الأسلحة في مناطق النزاع.
الأبعاد الإنسانية للصراع
الحرب لم تؤثر فقط على الجغرافيا والسياسة، بل خلفت كارثة إنسانية غير مسبوقة. نزح أكثر من 11.6 مليون شخص، بينهم 8.3 ملايين داخليًا و3.1 ملايين عبر الحدود، وتهدمت البنى التحتية الأساسية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس. الأوضاع الإنسانية في دارفور وبقية المناطق المتأثرة بالقتال أصبحت كارثية، مع نقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية، وارتفاع معدلات الأمراض والأوبئة.
القانون الدولي وحظر الأسلحة
حظر الأسلحة المفروض على السودان منذ 2004 يهدف إلى منع وصول الأسلحة إلى مناطق النزاع، خاصة في دارفور. استخدام أنظمة دفاع فرنسية، قذائف بلغارية، ومعدات بريطانية ضمن قوات الدعم السريع يشكل خرقًا مباشرًا للقانون الدولي، ويضع الدول المصدرة أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية صارمة. اللوائح الأوروبية والبريطانية تنص على وجوب إلغاء تراخيص التصدير في حال وجود خطر واضح لتحويل الأسلحة إلى مناطق نزاع، وهو ما لم يتم الالتزام به عمليًا.
الحاجة إلى إجراءات صارمة وشفافة
لكسر حلقة العنف، يجب أن تصبح مراقبة المستخدم النهائي للأسلحة والتمويل الدولي ملزمة وقابلة للتنفيذ، وليس مجرد إجراء بيروقراطي. يتعين على السلطات الأوروبية، البريطانية، والجنوبية الإفريقية نشر نتائج تدقيق تراخيص الأسلحة السابقة، التحقيق في حالات التحويل، وتعليق الموافقات الجديدة حيثما يستمر الخطر. كما يجب ضمان ألا يُعاد توظيف تمويل الهجرة الأوروبي لدعم جهات مسلحة.
بدون هذه الإجراءات، ستظل السياسات الدولية المتعقلة بالأمن والهجرة متناقضة ومساهمة في استمرار انعدام الأمن في السودان، بينما يعاني المدنيون من حرب تدعمها أسلحة أجنبية وتمويل دولي يُعاد توجيهه إلى ميليشيات مدمرة.













