انتقال اللاعب ناصر ماهر من الزمالك إلى بيراميدز أصبح أحدث حلقات الصراع المالي والفني في سوق الانتقالات المصرية، بعد صفقة ضخمة مالياً وتنازلات من اللاعب عن جزء من مستحقاته، مقابل رهانه على بداية جديدة مع نادٍ يطمح للمنافسة القارية بقوة.
وبين غضب قطاع من جماهير الزمالك وتأكيد الإدارة أن القرار «اقتصادي قبل أن يكون فنيًا»، يدخل صانع الألعاب صاحب الـ29 عامًا مرحلة مفصلية في مسيرته بعد أن أصبح واحدًا من اللاعبين النادرين الذين لعبوا للأهلي والزمالك وبيراميدز جميعًا.
تفاصيل الصفقة وأبعادها المالية
أعلن بيراميدز رسميًا التعاقد مع ناصر ماهر قادمًا من الزمالك خلال فترة الانتقالات الشتوية الحالية، في صفقة تم الاتفاق على أن تمتد لمدة 4 مواسم ونصف، لدعم خط الوسط المهاجم في ظل مشاركة الفريق في الدوري ودوري أبطال إفريقيا.
التقارير كشفت أن القيمة الإجمالية للصفقة تجاوزت 60–65 مليون جنيه، تشمل مقابلًا ماليًا مباشرًا للزمالك، إلى جانب تسوية مديونية قديمة على النادي الأبيض لصالح بيراميدز بقيمة 15 مليون جنيه تخص صفقات سابقة مثل عمر جابر ونبيل عماد دونجا.
شرط الزمالك الأساسي للرحيل كان الحصول على مبلغ يقارب 60 مليون جنيه مع تسوية المديونية، بجانب تنازل اللاعب عن جزء من مستحقاته المتأخرة، وهو ما تحقق تدريجيًا في المفاوضات حتى تمت الصفقة.
وبحسب مصادر صحفية، وافق ناصر ماهر على التنازل عن نحو 10 ملايين جنيه – بل تحدثت تقارير أخرى عن تنازله عن نسبة تصل إلى 80% من مستحقاته – مقابل الحصول على باقي قيمة عقده البالغة 18 مليون جنيه، والخروج من ضغط الأزمة المالية داخل الزمالك.
موقف اللاعب ورسالة الوداع
من جانب اللاعب، تشير الكواليس إلى أن ناصر ماهر رحّب مبكرًا بفكرة الانتقال إلى بيراميدز، خاصة مع وعود بالمشاركة الأساسية ودور محوري في مشروع الفريق، بعيدًا عن الضغوط الجماهيرية الصاخبة في الزمالك.
وبعد إعلان الصفقة، نشر صانع الألعاب رسالة وداع عبر حسابه على إنستجرام شكر فيها جماهير الزمالك على دعمهم خلال الفترة التي قضاها بالقميص الأبيض، مؤكدًا أنه «قدّم كل ما لديه» وأنه يتمنى للنادي التوفيق في المرحلة المقبلة.
اللاعب أشار أيضًا إلى أن انتقاله يأتي في إطار «اتفاق يرضي جميع الأطراف»، في إشارة واضحة إلى محاولته إبعاد نفسه عن صورة «الهارب»، خاصة بعد أن خاض مع الزمالك 60 مباراة سجل خلالها 9 أهداف وصنع 4، وساهم في التتويج بكأس مصر والسوبر الإفريقي.
ومع ذلك، لم تخف التغطيات الإعلامية أن رغبة اللاعب في خوض تجربة جديدة لعبت دورًا حاسمًا، إلى جانب طموحه في المشاركة القارية المنتظمة مع بيراميدز.
مكاسب وخسائر الزمالك
من الناحية الاقتصادية، تبدو إدارة الزمالك راضية عن الصفقة؛ فالنادي يعيش أزمة سيولة حادة، وتسوية مديونية بيراميدز مع الحصول على مبلغ مباشر ساعد في تخفيف الضغط المالي، مع الحفاظ على إمكانية إعادة هيكلة الفريق بصفقات أخرى أقل تكلفة.
لكن على المستوى الفني، يخسر الفريق صانع لعب أساسي كان يمثل أحد مفاتيح اللعب في الموسم الماضي والجاري، رغم الانتقادات التي طالت أداءه في بعض المباريات.
جماهير الزمالك أبدت غضبًا على مواقع التواصل، معتبرة أن إدارة النادي «تفرط بسهولة» في لاعبي الخط الأمامي، بينما ردت أصوات أخرى بأن بقاء لاعب غير راضٍ أو متحفز قد يكون عبئًا داخل غرفة الملابس، وأن الاستفادة المالية مع تعويضه بلاعبين أصغر سنًا قد تكون خيارًا واقعيًا في ظل الوضع الحالي.
بيراميدز واستثمار «الشبح»على الجانب الآخر، يتحرك بيراميدز بخطة واضحة لتعزيز قائمته بلاعبين أصحاب خبرة في المباريات الكبرى، استعدادًا لمواجهة نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا واستكمال مشواره في البطولة وهو في صدارة أو وصافة مجموعته.
النادي قدّم ناصر ماهر لجماهيره عبر فيديو ترحيبي برسالة «الآن يمكنك أن ترى الشبح»، في إشارة إلى لقبه وموهبته في صناعة اللعب بين الخطوط.
اللاعب التحق مباشرة ببعثة بيراميدز في المغرب بعد قيده محليًا وقاريًا، وشارك في التدريبات الجماعية استعدادًا لمباراة نهضة بركان، ما يعني أن الجهاز الفني يخطط للدفع به سريعًا وإدماجه في التشكيل الأساسي أو كحل هجومي مهم.
ومع وجوده الآن ضمن مجموعة من الأسماء البارزة في الوسط الهجومي، سيكون ناصر تحت اختبار مزدوج: إثبات أحقيته بالثقة، والرد عمليًا على من اعتبر رحيله عن الزمالك مجرد «صفقة مالية» لا خطوة فنية محسوبة.
مسيرة متقلبة وفرصة إعادة التقديم
سيرة ناصر ماهر تعكس لاعبًا موهوبًا واجه كثيرًا من المطبات؛ فقد خرج من قطاع ناشئي الأهلي، ثم تنقل بين بتروجت وسموحة ومودرن سبورت قبل أن يرتدي قميص الزمالك في يناير 2024، ويغادره بعد عامين فقط إلى بيراميدز.
وبات الآن ضمن قائمة قصيرة من اللاعبين الذين مثّلوا الأندية الثلاثة الكبرى في مصر حاليًا: الأهلي والزمالك وبيراميدز، ما يسلّط عليه الضوء بوصفه نموذجًا للاعب «محترف بالكامل» لا يتوقف عند اعتبارات الانتماء الكلاسيكية.
الانتقال الجديد يمنحه فرصة لإعادة تقديم نفسه كصانع لعب قادر على حمل مشروع فريق يطارد الألقاب، لا مجرد عنصر يدور في فلك الضغوط داخل نادٍ جماهيري.
لكن في المقابل، سيضعه تحت عدسة نقد لا ترحم؛ فكل تمريرة خاطئة ستُقرأ على ضوء الملايين المدفوعة في الصفقة، وكل تألق سيكون بمثابة إدانة ضمنية لقرار الزمالك ببيعه في واحدة من أكثر صفقات الشتاء سخونة هذا الموسم.













