ظهور بقعة زيت كبيرة على سطح نهر النيل في جنوب مصر أثار حالة من القلق والاستنفار البيئي، ودفع الأجهزة التنفيذية للتحرك السريع لمحاصرة التلوث قبل أن يصل إلى مآخذ محطات مياه الشرب، وسط تساؤلات متجددة حول مصادر هذه التسربات البترولية ومدى الاستعداد الحقيقي لمواجهتها.
بقعة زيت ضخمة في إسنا: إنذار على صفحة النهرصباح أحد الأيام الأخيرة، رصدت الأجهزة المحلية والأهالي ظهور بقعة زيت كبيرة على سطح مياه نهر النيل أمام مدينة إسنا جنوب محافظة الأقصر، في مشهد أعاد للأذهان حوادث تلوث مماثلة شهدها المجرى المائي في السنوات الماضية.
مصادر ميدانية قدّرت مساحة البقعة بحوالي كيلو متر مربع في منطقة حديقة المراسي، مع تحركها بفعل التيارات باتجاه منطقة «وابور المياه» التي تضم مأخذ محطة مياه الشرب الرئيسية المغذية للمدينة، ما دق ناقوس الخطر لدى المسؤولين والسكان على حد سواء.
المعاينة الأولية أوضحت أن البقعة زيتية – أقرب إلى السولار – تطفو على السطح بشكل متماسك، الأمر الذي يزيد من خطورتها إذا لم تُحاصَر مبكرًا، لأن وصول أي كميات منها إلى منطقة المأخذ يمكن أن يؤثر على جودة المياه الخام قبل المعالجة.
الأهالي، الذين تابعوا تحرك البقعة بالعين المجردة، عبّروا عن مخاوفهم عبر مواقع التواصل، محذرين من «التهاون» في التعامل مع التلوث نظرًا لاعتماد آلاف الأسر على مياه النيل في الشرب والري والأنشطة اليومية.
تحرك عاجل: حواجز مطاطية وفرق مكافحة التلوث
في مواجهة هذا الوضع، أعلنت محافظة الأقصر وشركة مياه الشرب والصرف الصحي وإدارة حماية النيل حالة الاستنفار، وبدأت خطة طوارئ للتعامل السريع مع البقعة الزيتية.
الخطة تضمنت الدفع بفرق مكافحة التلوث النهري لعمل حواجز مطاطية (Booms) حول البقعة لمحاصرتها ومنع انتشارها أو اقترابها من مأخذ محطة المياه، تمهيدًا لشفطها والتخلص الآمن منها طبقًا للاشتراطات البيئية.
مصادر في شركة المياه أشارت إلى احتمال اللجوء لإجراءات احترازية مؤقتة، مثل إيقاف ضخ المياه من المحطة أو تغيير نقطة السحب في حال اشتبه في اقتراب الملوثات من المأخذ، مع تكثيف سحب العينات وتحليلها بشكل دوري للتأكد من مطابقة المياه للمواصفات القياسية.
غرفة عمليات المحافظة تابعت الموقف لحظة بلحظة، مع التنسيق بين شرطة المسطحات المائية وجهاز شؤون البيئة لتعقب مصدر التسرب، سواء كان من عائمة سياحية أو معدة نهرية أو مصدر آخر.
استنفار متزامن في سوهاج: تسرب سولار عند مأخذ محطةبالتوازي تقريبًا مع حادث إسنا
، أعلنت شركة مياه الشرب بسوهاج رصد آثار لتسرب بقعة سولار بالقرب من مأخذ محطة مياه السكساكا، ما دفعها بدورها إلى رفع حالة الطوارئ وإبلاغ غرفة عمليات المحافظة وإيقاف المأخذ مؤقتًا لحين احتواء البقعة.
التحقيقات البيئية أوضحت أن التسرب جاء من إحدى المعدات النهرية العاملة في أعمال التكريك بالمجرى المجاور للمأخذ، وتم تحرير محضر رسمي بالواقعة وإخطار الجهات المعنية في محافظات مجاورة.
الشركة استخدمت حواجز خاصة بالمواد البترولية حول المأخذ، مع قيام المعامل برفع عينات دورية ومتابعة نتائجها حتى التأكد من زوال آثار التلوث وإعادة تشغيل المحطة بصورة آمنة.
هذه الواقعة عززت الشعور بأن مشكلة تسرب المواد البترولية من العائمات والمعدات النهرية لم تعد حوادث فردية، بل ظاهرة تحتاج إلى رقابة صارمة وتطبيق حازم للقانون.
تدريبات «حابى 3» والاستعداد الورقي لمواجهة التلوثعلى مستوى أوسع، شهدت محافظة أسوان قبل أيام تنفيذ التجربة العملية السنوية «حابى 3» لمحاكاة التلوث البترولي بنهر النيل، بمشاركة مسؤولي البيئة ومركز مكافحة التلوث البترولي والنهرى وعدة جهات تنفيذية.
التجربة استهدفت – وفق ما أُعلن – مراجعة إجراءات التدخل السريع، واختبار جاهزية المعدات والكوادر في التعامل مع حوادث تسرب المواد البترولية داخل مجرى النيل، من خلال سيناريو عملي لاحتواء بقعة افتراضية وحصارها ومعالجتها.
المشاركون شددوا على ضرورة تعزيز آليات الرصد والمتابعة المستمرة للبواخر والوحدات النهرية، والتعامل الحاسم مع أي مخالفات تسرب، بهدف الحد من الظاهرة والسيطرة عليها بالكامل.
لكن تزامن هذه التجارب مع حوادث فعلية في الأقصر وسوهاج يطرح تساؤلات ناقدة حول الفجوة بين «الكفاءة على الورق» وبين الوقائع الميدانية المتكررة، خاصة عندما يكون مصدر التلوث غالبًا عائمات سياحية أو معدات نهرية يفترض أنها خاضعة للرقابة.
هل مياه الشرب في أمان؟
في كل البيانات الرسمية تقريبًا، تحرص الجهات المسؤولة على التأكيد أن محطات مياه الشرب «لم تتأثر» بالبقع الزيتية، وأن ما يتم من إجراءات احترازية وتحاليل يضمن سلامة المياه التي تصل إلى منازل المواطنين.
وزارة البيئة كانت قد أعلنت في واقعة سابقة بالأقصر احتواء بقعة سولار خفيفة دون الحاجة لوقف محطات المياه، مع التشديد على التفتيش على العائمات السياحية والتزامها بإجراءات منع التسرب.
مع ذلك، يبقى الشك حاضرًا لدى بعض المواطنين، خاصة في المناطق القريبة من مواقع التسرب، حيث يرتبط نهر النيل في الوعي الجمعي بكونه المصدر شبه الوحيد للمياه، وأي حديث عن تلوثه – ولو سطحيًا – يُستقبل بحساسية عالية.
هذه الفجوة بين لغة الطمأنة الرسمية ومخاوف الشارع تفرض – وفق خبراء البيئة – مزيدًا من الشفافية في إعلان نتائج التحاليل الدورية للمياه، وتحديد المسؤوليات بوضوح عند ثبوت أي تقصير أو مخالفة من جانب الوحدات النهرية أو الجهات المشغلة لها.
ما بين البقعة السطحية والأزمة العميقةرغم أن البقعة الراهنة توصف بأنها «سطحية» من السولار ويمكن احتواؤها بوسائل فنية معروفة، فإنها تعكس أزمة أعمق تتعلق بثقافة التعامل مع نهر النيل كمجرى مائي يمكن أن يستوعب «أخطاء» تسرب هنا أو هناك دون ثمن.
تكرار حوادث من هذا النوع – في الأقصر وسوهاج وأسوان وغيرها – يعيد السؤال عن مدى ردع العقوبات المطبقة على المتسببين، وعن جدية التفتيش المفاجئ على العائمات السياحية والمعدات النهرية، لا الاكتفاء بتجارب محاكاة سنوية وتصريحات مطمئنة.
بين ضفة وأخرى، يتحرك شريان الحياة في مصر وهو يحمل فوق سطحه بقعًا من الزيت والسولار بين الحين والآخر، في مشهد يناقض كل ما يقال عن أولوية حماية النهر.
وبينما تُسارع فرق مكافحة التلوث إلى نصب الحواجز وشفط البقع، يبقى الاختبار الحقيقي في منع ظهور بقعة جديدة، لا في تصوير سرعة التعامل مع البقعة الحالية.










