القاهرة | المنشر الإخباري – 24 يناير 2026 تمر اليوم الذكرى الخامسة عشرة لأحداث الخامس والعشرين من يناير 2011، لتجد المجتمع المصري لا يزال أسيرا لانقسام حاد في الرؤى والمواقف. فبينما يصر قطاع من المصريين على وصفها بـ “الثورة الشعبية العظيمة” التي نادت بالحرية والعدالة، يتمسك قطاع آخر برواية “المؤامرة الخارجية” التي استهدفت أركان الدولة وأدخلتها في نفق من الفوضى والانهيار الاقتصادي.
هذا التباين لم يعد مجرد اختلاف سياسي، بل تحول إلى صراع على الذاكرة الجماعية وتفسير التاريخ الحديث.
الرؤية الثورية: انتفاضة الكرامة وحلم التغيير
يتمسك أنصار هذا التيار بأن ما حدث في ميدان التحرير كان حراكا شعبيا عفويا خالصا، استمد وقوده من عقود من التهميش والفساد وتزوير الإرادة الشعبية. ويرى هؤلاء أن الثورة حققت انتصارات تاريخية في أيامها الأولى، كإسقاط نظام جثم على الصدور لثلاثين عاما، ومحاكمة رموز الفساد.
وفي قراءة معاصرة لعام 2026، يرى سياسيون أن جيل الشباب لا يزال ينظر إلى يناير كمصدر إلهام، رغم ما يصفونه بـ “المسارات غير المكتملة”، معتبرين أن الدولة استوعبت الجانب الأمني فقط دون المضي قدما في إصلاحات سياسية جذرية تلبي طموحات “جيل التحرير”.
رواية المؤامرة: الاختطاف والفوضى الممنهجة
على الجانب الآخر، تبلورت قناعة لدى شريحة واسعة من المصريين بأن يناير لم تكن إلا “مؤامرة مكتملة الأركان” حيكت خيوطها في الخارج ونفذت بأدوات داخلية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.
ويستند أصحاب هذا الطرح إلى وثائق وشهادات تزعم وجود مخططات أمريكية لتغيير الأنظمة في المنطقة منذ عام 2008.
ويشير هؤلاء إلى أن الاحتجاجات العفوية في الساعات الأولى تم اختطافها سريعا لتحويلها إلى أداة لهدم مؤسسات الدولة، مما أدى إلى حالة من السيولة الأمنية غير المسبوقة التي هددت بقاء الدولة ذاته.
النزيف الاقتصادي: لغة الأرقام الصعبة
يمثل المحور الاقتصادي الركيزة الأساسية لمن يعتبرون يناير “نكبة” وطنية؛ حيث تشير التقارير إلى خسائر تجاوزت 100 مليار دولار خلال سنوات الاضطراب.
فقد انهار الاستثمار الأجنبي المباشر من 37 مليار دولار قبل الأحداث إلى مستويات صفرية في 2011، وتراجع الاحتياطي النقدي بشكل حاد، ناهيك عن نزيف قطاع السياحة الذي كان يفقد 40 مليون دولار يوميا.
هذه الأرقام، وما صاحبها من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، جعلت شريحة كبيرة من الطبقة الوسطى تفضل “الاستقرار تحت أي ظرف” على مغامرة التغيير غير المحسوب.
التداخل التاريخي وعقدة “عيد الشرطة”
يزيد من تعقيد المشهد تداخل ذكرى الثورة مع “عيد الشرطة”، وهو اليوم الذي يخلد ملحمة ضباط الإسماعيلية ضد الاحتلال البريطاني عام 1952.
هذا التضارب خلق حالة من الصدام الرمزي؛ فبينما تحتفي الدولة ببطولات رجال الشرطة في حماية الوطن، يستدعي الطرف الآخر صور الصدام مع الأمن في عام 2011.
وبالرغم من أن الخطاب الرسمي للرئيس السيسي يعترف بـ 25 يناير كـ “ثورة حقيقية” تم تصحيح مسارها في 30 يونيو، إلا أن الإعلام والتوجهات العامة تميل بشكل متزايد للتركيز على “مؤامرات الفتنة” وضرورة الصمود خلف مؤسسات الدولة.
المشهد في 2026: استقرار مشوب بالحذر
مع حلول الذكرى في عام 2026، تبدو الدولة المصرية أكثر إصرارا على إحكام السيطرة ومنع تكرار السيناريوهات الماضية، وسط احتفالات رسمية تركز على دور الشرطة في مكافحة الإرهاب وتثبيت أركان الدولة.
وبينما أقرت الإجازة الرسمية في التاسع والعشرين من يناير، يرى محللون أن غياب التحركات الشعبية في الشارع لا يعني بالضرورة انتهاء الجدل، بل هو نتاج لفقدان الثقة في بدائل المعارضة والخوف الحقيقي من الفوضى، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة التي تجعل من “الأمان” المطلب الشعبي الأول.
تظل 25 يناير مرآة يرى فيها كل مصري ما يريد؛ فهي عند البعض صرخة حرية أجهضتها المؤامرات، وعند البعض الآخر فخا دوليا نجا منه الوطن بأعجوبة. وبينهما، يظل البحث عن العدالة الاجتماعية والعيش الكريم هو الخيط الوحيد الذي يجمع شتات المصريين بعد مرور عقد ونصف من الزمان.










