في خطوة تعد تحولا تاريخيا في السياسة الخارجية الأمريكية، نشر البنتاغون استراتيجيته الدفاعية الجديدة المكونة من 33 صفحة، والتي أعلنت نهاية عصر “الهيمنة العالمية” وبداية مرحلة جديدة تركز على “النصف الغربي من الكرة الأرضية”.
هذه الوثيقة، التي يمكن اعتبارها إعلانا رسميا عن تراجع الولايات المتحدة عن دورها التقليدي كـ”شرطي العالم”، تحمل دلالات عميقة على الحلفاء في أوروبا، الشرق الأوسط، وآسيا.
فبدلا من تحمل عبء الحماية الكامل، ستدعم واشنطن حلفاءها لكنها تطالبهم بحماية أنفسهم.
يأتي هذا الإعلان في وقت تشهد فيه العلاقات الدولية توترات متزايدة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل النظام العالمي.
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
يتلخص الاستراتيجية الجديدة تحولا جذريا في نظرة واشنطن إلى العالم. فهي تنذر بـ”زوال الحضارة الأوروبية” إذا لم تتحمل أوروبا مسؤولية دفاعها عن نفسها، وتدعو صراحة إلى وقف توسع حلف “الناتو”.
كما أعلنت نهاية عصر الهيمنة الأمريكية، مع التركيز على الجوار الإقليمي بدلا من الساحة العالمية بأكملها.
ووضعت الوثيقة حماية الحدود الأمريكية ووقف “الهجرة الجماعية” على رأس الأولويات، معتبرة إياها تهديدا أمنيا مباشرا.
هذا التحول يعكس رؤية إدارة ترامب الثانية، التي ترى في التركيز الإقليمي سبيلا للحفاظ على القوة الأمريكية دون إرهاق الموارد.
وفي سياق أوروبا، حملت الاستراتيجية القارة مسؤولية أمنها بشكل كامل، محذرة من مخاطر الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. أما في آسيا، فقد غيرت النظرة إلى الصين من “خطر وجودي” إلى “منافس اقتصادي استراتيجي”، مع تكليف اليابان وكوريا الجنوبية بحماية تايوان.
هذه التغييرات تعد رسالة واضحة: لن تتدخل واشنطن عسكريا في كل نزاع، بل ستركز على مصالحها الإقليمية.
تداعيات على الشرق الأوسط: إسرائيل والخليج يحميان أنفسهما
يعد الشرق الأوسط من أبرز المناطق المتضررة من هذا التحول. اعتبرت الاستراتيجية المنطقة “وجهة استثمار وتجارة وشراكة” بدلا من مصدر تهديد، مطالبة إسرائيل ودول الخليج بحماية أنفسهم من إيران.
هذا يعني تراجعا أمريكيا عن الدعم العسكري المباشر، مع التركيز على الشراكات الاقتصادية. على سبيل المثال، لن تتحمل واشنطن عبء مواجهة التهديد الإيراني، بل ستدعم الحلفاء تكنولوجيا واستخباراتيا فقط.
هذا النهج يثير مخاوف في المنطقة العربية، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية. دول الخليج، التي اعتمدت تاريخيا على الضمانات الأمريكية، قد تواجه الآن ضغوطا لتعزيز قدراتها الدفاعية المستقلة.
أما إسرائيل، فستضطر إلى الاعتماد أكثر على قدراتها الذاتية، رغم الدعم المستمر.
ويتوقع أن يؤدي هذا إلى إعادة ترتيب التحالفات، مع اقتراب محتمل بين دول الخليج وإسرائيل لمواجهة إيران.التحديات العالمية والأولويات الجديدةشددت الوثيقة على وقف الهجرة الجماعية كأولوية دفاعية، معتبرة إياها تهديدا للأمن القومي الأمريكي.
هذا يعزز سياسات ترامب في بناء الجدران وتعزيز الحدود، مع ربطها بالدفاع الوطني. كما أن إعادة تعريف دور الصين كمنافس اقتصادي يفتح الباب لمنافسة تجارية شرسة بدلا من صراع عسكري مباشر.
ومن الناحية الاقتصادية، يتوقع أن يعزز هذا التركيز الإقليمي من قوة أمريكا في أمريكا الشمالية والجنوبية، مع تقليل الالتزامات في الشرق الأقصى والشرق الأوسط.
ومع ذلك، قد يؤدي إلى فراغ قوة يملأه روسيا أو الصين، مما يهدد الاستقرار العالمي.
التأثيرات على الحلفاء والمستقبل
أثارت الاستراتيجية ردود فعل متباينة. في أوروبا، حذر مسؤولون من “نهاية الناتو كما نعرفه”، بينما رحب آخرون بالاستقلالية. في الشرق الأوسط، أعربت دول الخليج عن قلقها، لكنها أكدت استعدادها لتعزيز القدرات الذاتية.
أما إسرائيل، فقد أشادت بالشراكة الاقتصادية الجديدة.في الختام، تمثل هذه الاستراتيجية تحولا جذريا يعيد رسم خريطة القوة العالمية. مع تراجع الولايات المتحدة عن دورها العالمي، يواجه الحلفاء تحديات لتعزيز دفاعاتهم، بينما تفتح آفاقا لشراكات جديدة في الشرق الأوسط










