شهد مركز فاقوس بمحافظة الشرقية حادثًا مأساويًا جديدًا بعد انهيار جزء من مبنى سينما قديم ومهجور، ما أسفر عن مصرع شاب في مقتبل العمر وإصابة عدد من الأشخاص، وأعاد فتح ملف المباني المتهالكة و«تركة» دور العرض القديمة التي تحولت إلى قنابل موقوتة في قلب المدن.
أسئلة بعد سقوط سقف فاقوس على رؤوس الشباب
بداية الحادث: لحظات تحوّلت إلى كارثةمساء أحد الأيام، تلقت الأجهزة الأمنية بمحافظة الشرقية إخطارًا من مستشفى فاقوس المركزي بوفاة شاب متأثرًا بإصاباته الخطيرة، عقب انهيار جزء من مبنى السينما القديم بمدينة فاقوس، وهو مبنى مهجور يعود لعقود ماضية وكان قد توقف عن العمل منذ سنوات طويلة.
تبين من الفحص أن المبنى غير مأهول بالسكان، ويُستخدم كمنشأة قديمة مملوكة لعدد من الأهالي، مع وجود أعمال هدم أو تفكيك جزئي تتم بداخله بشكل غير منظم.
مصادر طبية أوضحت أن الشاب، ويدعى «أحمد صابر» في بداية العشرينيات من عمره، وصل المستشفى مصابًا بكسر في قاع الجمجمة ونزيف بالمخ، ولم تفلح محاولات إنقاذه ليلفظ أنفاسه الأخيرة فور وصوله، متأثرًا بإصاباته جراء سقوط أجزاء خرسانية ومعدنية من سقف المبنى فوقه.
الحادث لم يتوقف عند الوفاة فقط، إذ أشارت تقارير أخرى إلى إصابة عدد من الشبان المتواجدين بالمكان بكسور وجروح متفرقة، بعضهم أثناء محاولتهم الهرب من موقع الانهيار.
كيف وقع الانهيار؟
شهادات وتحقيقات أولية المعلومات الأولية، بحسب ما نقلته مواقع إخبارية ومسؤولون محليون، تشير إلى أن الانهيار وقع أثناء وجود عدد من الشباب أعلى أو داخل المبنى، حيث كانوا يقومون – وفق روايات – بأعمال تفكيك أو هدم غير مرخصة لسقف السينما القديمة بهدف إزالة الحوامل الحديدية أو إعادة استغلال المكان.
هذه الأعمال أدت إلى تصدع أجزاء من السقف وانهيار جزئي مفاجئ في جزء من المبنى، ما تسبب في سقوط كتل خرسانية وحديدية على من كانوا تحته، وأسفر عن الوفاة والإصابات.
تحريات المباحث أوضحت أن أعمال الهدم تلك لم تكن مصحوبة بتصريح رسمي من مجلس مدينة فاقوس، وأن التعامل مع المبنى جرى بصورة «بدائية» دون إشراف هندسي أو اتخاذ الاحتياطات اللازمة للتعامل مع منشأة قديمة وآيلة للسقوط.
هذا المعطى يضع علامات استفهام حول دور المالكين والجهات المحلية في مراقبة أي أعمال إنشائية أو هدم تتم في مبانٍ متهالكة تقع داخل الكتلة السكنية.
تحرك الجهات الرسمية: كردون أمني ومحضر وتحقيقاتفور وقوع الحادث، انتقلت قوات الشرطة والحماية المدنية وسيارات الإسعاف إلى موقع السينما القديمة بمنطقة إنقيزة في فاقوس، وتم فرض كردون أمني حول المبنى لمنع اقتراب المارة خشية وقوع أجزاء أخرى.
بدأت فرق الإنقاذ في فحص الموقع ورفع الأنقاض والتأكد من عدم وجود عالقين أسفل الأجزاء المنهارة، بالتوازي مع نقل المصابين إلى مستشفى فاقوس المركزي لتلقي العلاج.
جرى نقل جثمان الشاب المتوفى إلى مشرحة المستشفى تحت تصرف جهات التحقيق، فيما حررت الأجهزة الأمنية محضرًا بالواقعة، وأُخطرت النيابة العامة التي طلبت تحريات المباحث واستدعاء المسؤولين عن المبنى للاستماع لأقوالهم حول طبيعة الأعمال التي كانت تجرى داخله وقت الحادث.
النيابة من جانبها كلفت كذلك بتكليف لجنة هندسية من الوحدة المحلية لمعاينة المبنى وبيان حالته الإنشائية، ومدى صلاحيته أو ضرورة إزالته بالكامل، لتفادي كارثة جديدة.
سينما من الماضي.. وملف المباني المتهالكة
مبنى السينما القديمة في فاقوس ليس حالة منفردة؛ فهو واحد من عشرات وربما مئات المباني القديمة التي كانت يومًا ما دور عرض أو مسارح أو منشآت تجارية، قبل أن يهجرها الزمن وتترك لمصيرها بلا صيانة أو تطوير أو قرارات حاسمة بالإزالة.
خبراء التخطيط العمراني يحذرون منذ سنوات من أن غياب الصيانة الدورية للمباني القديمة، وتركها عرضة للتقادم والتعديلات العشوائية، يجعلها قنابل موقوتة يمكن أن تنهار في أي لحظة لأسباب تبدو بسيطة.
في الشرقية نفسها، سبق أن شهدت مدينة الزقازيق انهيار عقار سكني كامل في شارع مولد النبي، ما أسفر عن سقوط قتلى ومصابين، وفتح وقتها النقاش حول قرارات الإزالة المتأخرة والمباني المخالفة داخل الكتلة القديمة.
اليوم، يضاف مبنى سينما فاقوس إلى قائمة المباني التي تنهار جزئيًا، لكن هذه المرة في مبنى يحمل رمزية ثقافية واجتماعية لأجيال سابقة من أبناء المدينة.
أسئلة معلّقة: مسؤولية من؟ وثمن الإهمال
ورغم سرعة وصول قوات الشرطة والإسعاف وفتح التحقيقات، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة حول من يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن مقتل شاب تحت أنقاض مبنى معروف منذ سنوات بأنه قديم ومهجور.
هل المسؤولية تقع على المالكين الذين سمحوا بأعمال هدم غير آمنة، أم على الشباب الذين تسلقوا السقف، أم على الجهة المحلية التي لم تحسم مصير المبنى بقرار إزالة أو ترميم رسمي؟
الحادث يعيد أيضًا الجدل حول جرد شامل للمباني الآيلة للسقوط، خصوصًا تلك التي تحمل طابعًا قديمًا أو كانت منشآت عامة كدور السينما، ووضع جدول زمني واضح للتعامل معها، إما بتطويرها أو بإخلائها وإزالتها قبل أن تتحول إلى مصدر خطر على أرواح الأهالي.
فبين ركام السينما القديمة في فاقوس وذكريات من عرفوا هذا المكان كجزء من ذاكرة المدينة، تبدو القصة أبعد من مجرد «حادث فردي»، وأقرب إلى مرآة لواقع عمراني هش يدفع ثمنه في النهاية شباب في عمر الزهور.










