عاد اسم وزير الداخلية اليمني اللواء الركن إبراهيم حيدان إلى واجهة المشهد السياسي والأمني في اليمن، مع تصاعد الجدل حول دوره في إدارة الملف الأمني، وتزامن ذلك مع محاولات اغتيال مثيرة للجدل في الجنوب، واجتماعات سياسية في الرياض يُنظر إليها في أبين وعدن بعين الريبة والرفض.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه الوزير عن «احتكار الدولة للسلاح» ودمج التشكيلات الأمنية تحت مظلة واحدة، تتصاعد أصوات معارضة تتهمه بإعادة إنتاج الفوضى والفساد واستخدام وزارة الداخلية في صراع المحاور اليمنية والإقليمية.
خلال الساعات والأيام الماضية، برز تصريح لافت لوزير الداخلية، وصف فيه محاولة اغتيال القيادي العسكري حمدي شكري بأنها «محاولة جبانة هدفها خلط الأوراق وإغراق الساحة بمزيد من الفوضى».
حيدان شدد في حديثه لوسائل إعلام محلية ودولية على أن الوزارة تتابع خيوط العملية وتسعى لكشف الجهات التي تقف وراءها، في سياق أمني متوتر تشهده عدن ومحافظات الجنوب منذ أشهر.
غير أن مراقبين يرون أن لغة التنديد والتعهد بالتحقيق لم تعد تقنع الشارع الجنوبي، الذي يطالب بإجراءات ملموسة تعيد الأمن وتُنهي ظاهرة الاغتيالات والسجون السرّية والتشكيلات المتعددة الولاءات.
في مقابلات وتصريحات متفرقة، أعاد حيدان التأكيد على أن «مهمتنا اليوم فرض احتكار الدولة للقوة وبناء جهاز أمني وطني موحد»، مؤكداً أن اليمن يعيش مرحلة مفصلية في مسار استعادة الدولة وأن دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية بات أولوية لإنهاء الفوضى.
الوزير تحدث عن ضرورة بناء عقيدة أمنية وطنية تتجاوز الانقسامات المناطقية والحزبية، وربط نجاح أي تسوية سياسية مقبلة بوجود أجهزة أمنية موحدة تخضع لوزارة الداخلية ووزارة الدفاع، لا لقيادات محلية أو إقليمية متصارعة.
لكن خصومه يشككون في قدرة الوزارة الحالية، بقيادتها وتركيبتها، على تحقيق هذا الهدف، في ظل استمرار نفوذ التشكيلات المسلحة على الأرض وتعدد مراكز القرار.
الجدل لم يتوقف عند حدود التصريحات، بل تصاعد مؤخراً بعد اجتماع عُقد في منزل إبراهيم حيدان في العاصمة السعودية الرياض، وقيل إنه جاء ضمن مسار «الحوار الجنوبي – الجنوبي» ومثّل محافظة أبين.
الاجتماع أثار موجة غضب وانتقادات في أوساط سياسية ومجتمعية وإعلامية في أبين، حيث اعتبر ناشطون ومسؤولون محليون أن المشاركين «لا يمثلون المحافظة، بل يمثلون أنفسهم ومصالح قوى تقليدية تعيش على إعادة إنتاج الفشل».
شخصيات من أبين اتهمت المجتمعين باستغلال اسم المحافظة، مشيرة إلى أن بعضهم لم يزر مناطقه منذ سنوات، وأنهم يحاولون احتكار التمثيل السياسي في غرف مغلقة بعيداً عن هموم السكان الذين أنهكتهم الحرب والتهميش.
هذه الانتقادات غذّت رواية معارضي حيدان الذين يتهمونه بالاحتماء في الرياض وإدارة الملفات الحساسة من الخارج، بعيداً عن واقع المحافظات التي يفترض أنه مسؤول عن أمنها.
في موازاة ذلك، تستمر سجالات قديمة جديدة حول موقع حيدان السياسي وخلفياته الحزبية وعلاقته بقوى الإسلام السياسي، وعلى رأسها حزب الإصلاح ذي المرجعية الإخوانية.
تقارير صحفية عربية وأخرى يمنية معارضة وصفته بأنه «رجل الإخوان في الداخلية»، متهمة إياه باتباع سياسة ممنهجة لتفكيك الوزارة وإضعاف مؤسساتها عبر تعيين مقربين، وتوظيف موارد ضخمة بطريقة غير شفافة، وإبقاء الملفات الحساسة في يد دوائر ضيقة موالية له.
كما اتهمته هذه التقارير بتجنيد مجاميع مسلحة ومنحها غطاءً سياسياً وأمنياً، في سياق صراع النفوذ بين الحكومة المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي وقوى أخرى في الجنوب.
من جهة أخرى، واجه حيدان انتقادات حادة بسبب موقفه من التحالف العربي الذي تقوده السعودية.
تقارير معارضة قالت إنه شن هجوماً عنيفاً على التحالف، وذهب إلى حد اتهامه بدعم تنظيم القاعدة في اليمن، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة للتماهي مع خطاب أطراف داخل الحكومة السابقة، استخدمت ورقة «مكافحة الإرهاب» لابتزاز الحلفاء الإقليميين وخصوم الداخل على حد سواء.
هذا الخطاب أعاد إلى الأذهان مسار سلفه أحمد الميسري، الذي انتهى به الأمر خارج المشهد السياسي بعد صدامات مشابهة.
في المقابل، تحاول وزارة الداخلية تقديم صورة مغايرة عبر منصاتها الرسمية، مركزة على زيارة حيدان لمناطق مختلفة، وتوجيهاته بمنع تهريب السلاح من عدن، وتشديده على التزام الوحدات الأمنية بالانضباط، والحديث عن خطط لإعادة هيكلة الأجهزة وتطوير قدراتها.
حسابات رسمية وشبه رسمية تنشر بشكل متكرر بيانات تفيد بتأكيد الوزير على «ضبط الأمن» و«منع خروج الأسلحة من العاصمة المؤقتة عدن» و«ملاحقة العناصر التخريبية»، في محاولة لترسيخ صورة الرجل الحازم الساعي لفرض النظام.
غير أن فجوة الثقة بين هذا الخطاب الرسمي وبين روايات الشارع الجنوبي ما زالت واسعة، تغذيها قصص عن سجون سرية، وعمليات اغتيال غامضة، وتباين واضح بين ما تعلنه الوزارة وما يعيشه المواطن على الأرض.
تراكم هذه الملفات – من محاولة اغتيال حمدي شكري، إلى فوضى عدن، إلى اجتماع الرياض المثير للجدل، مروراً باتهامات الفساد والحزبية – يضع إبراهيم حيدان في قلب عاصفة سياسية وأمنية قد تعيد رسم ملامح وزارته في المرحلة المقبلة.
فبين خطاب رسمي يتحدث عن «دمج التشكيلات واحتكار الدولة للسلاح»، وخطاب معارض يتهمه باستنساخ الفشل وتدمير ما تبقى من هيبة الداخلية، يبدو مستقبل الرجل مرهوناً بتطورات ميزان القوى في اليمن، أكثر مما هو مرتبط ببرامجه وخططه المعلنة على الورق.










