إعلان رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني عن رغبتها في ترشيح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجائزة نوبل للسلام إذا نجح في إنهاء حرب أوكرانيا فتح جدلًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا في أوروبا، بين من يرى في الخطاب رسالة تشجيع لواشنطن على دفع مسار السلام، ومن يعتبره مجاملة سياسية مبالغًا فيها لزعيم مثير للانقسام عالميًا.
جدل في العواصم الأوروبية بعد تصريحات ميلوني
خلفية التصريح:
مؤتمر صحفي ورسالة إلى واشنطن
تصريحات ميلوني جاءت خلال مؤتمر صحفي في روما عقب لقائها المستشار الألماني فريدريش ميرتس، حيث تطرقت إلى مبادرة ترامب الجديدة المسماة «مجلس السلام» التي أطلقها الرئيس الأمريكي كمنصة للتدخل في عدد من النزاعات العالمية، على رأسها أوكرانيا وغزة.
في هذا السياق قالت ميلوني إنها «تأمل أن يأتي اليوم الذي يمكن فيه منح دونالد ترامب جائزة نوبل للسلام»، موضحة أنها تثق بأنه إذا «صنع الفارق في تحقيق سلام عادل ودائم لأوكرانيا» فسيكون من الممكن ترشيحه رسميًا للجائزة من جانب إيطاليا.
هذا التصريح جاء أيضًا بعد أن عبّر ترامب نفسه، في رسائل وتسريبات سابقة، عن استيائه من عدم حصوله على نوبل رغم ما يصفها بجهوده في إنهاء عدد من الحروب وترتيب اتفاقيات، ما جعل حديث ميلوني يُقرأ كنوع من الاستجابة الضمنية لطموحه الشخصي، وربط ذلك بملف الحرب في أوكرانيا.
مضمون كلام ميلوني: شرط واضح و«خط رجعة»
ميلوني لم تتحدث عن منح فوري أو آلي للجائزة، بل وضعت شرطًا واضحًا يتمثل في أن ينجح ترامب في تحقيق «سلام عادل ودائم» في أوكرانيا، مؤكدة أن ترشيحه في هذه الحالة سيكون برسالة سياسية مفادها تقدير جهود إنهاء الحرب وليس شخص ترامب بحد ذاته.
قالت بالنص تقريبًا: «أثق أنه إذا صنع الفارق في تحقيق سلام عادل ودائم لأوكرانيا، عندها يمكننا أخيرًا نحن أيضًا أن نرشح دونالد ترامب لجائزة نوبل للسلام».
بهذا، تركت ميلوني لنفسها «خط رجعة»؛ فهي لم تتعهد بترشيحه في كل الأحوال، بل ربطت ذلك بنتيجة محددة على الأرض، ما يسمح لها لاحقًا بتبرير عدم المضي في الترشيح إذا فشل المسار السياسي أو اتضح أن الحل يضر بالمصالح الأوكرانية.
الإطار الأوسع: «مجلس السلام» والقيود الدستورية
التصريحات جاءت أيضًا في سياق حديث ميلوني عن دعوة إيطاليا للانضمام إلى «مجلس السلام» الذي أسسه ترامب ويرأسه بنفسه، وهو كيان تقول واشنطن إنه مكرّس لمتابعة اتفاقات وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار في مناطق النزاع.
ميلوني أوضحت أنها أبلغت ترامب بوجود «مشكلات دستورية» تمنع إيطاليا من الانضمام إلى منظمة يقودها فرد واحد أجنبي، في إشارة إلى أن القانون الإيطالي لا يسمح بالانخراط في هيكل دولي يترأسه زعيم دولة أخرى بهذه الصيغة.
مع ذلك، وصفت نفسها بأنها «منفتحة» على التعاون مع المجلس إذا تم تعديل إطار عمله ليصبح أكثر تعددية وتمثيلًا لدول أوروبية أخرى، معتبرة أن وجود دول مثل إيطاليا وألمانيا في ترتيبات السلام قد يصنع فارقًا في ملفات معقدة كأوكرانيا.
ردود فعل أوروبية ودولية: بين التأييد والتحفظ
إعلان ميلوني أثار سريعًا تعليقات وتحليلات في الإعلام الأوروبي والأمريكي؛ فبعض الأصوات اليمينية واليمينية الوسط رحبت بالفكرة باعتبارها «تحفيزًا إيجابيًا» للرئيس الأمريكي على استثمار ثقله لإنهاء الحرب، خاصة مع تصاعد المخاوف الأوروبية من طول أمد النزاع وتكاليفه الاقتصادية والأمنية.
في المقابل، اعتبر منتقدون أن الحديث عن نوبل لترامب في هذا التوقيت «سابِق لأوانه» بل و«مستفز» للأوكرانيين الذين يخشون أن تأتي أي تسوية على حساب وحدة أراضيهم أو طموحاتهم الغربية.
بعض المحللين أشاروا إلى أن ربط الجائزة بترامب يضع لجنة نوبل في موقف حساس، لأنها سبق وأن تعرضت لانتقادات حين مُنحت الجائزة لشخصيات قبل تحقق نتائج السلام المستدام، كما حدث مع بعض الاتفاقات التي انهارت لاحقًا.
كما أن جزءًا من الرأي العام يرى أن شخصية ترامب المثيرة للجدل، وسجله التصادمي في ملفات عديدة، تجعل منحه نوبل – حتى لو ساهم في إنهاء حرب – قرارًا سياسيًا أكثر منه تكريمًا أخلاقيًا.
أبعاد داخلية لميلوني: رسالة لليمين وقاعدة ترامب
داخليًا، يقرأ مراقبون تصريحات ميلوني أيضًا في إطار حساباتها السياسية الخاصة؛ فهي زعيمة يمينية تربطها علاقة شخصية وسياسية جيدة بترامب، وتحاول في الوقت نفسه الحفاظ على تموضعها داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
طرح فكرة نوبل لترامب إذا أنهى حرب أوكرانيا يسمح لها بإرسال رسالة إيجابية لقاعدته ولمعسكر اليمين الدولي، من دون أن تصطدم مباشرة مع الإجماع الغربي الحالي الداعم لأوكرانيا ضد روسيا.
تقول القراءة الناقدة إن ميلوني بذلك تحاول اللعب على حبلين: إرضاء واشنطن وترامب بخطاب يبدو وديًا، مع الإبقاء على الالتزام الإيطالي الرسمي بمواقف الناتو والاتحاد الأوروبي تجاه الحرب، وربط أي تكريم محتمل بنتيجة «عادلة» يتعين أن تقبلها كييف أيضًا.
هل تصبح نوبل أداة تفاوض في حرب أوكرانيا؟
ما يثيره تصريح ميلوني أبعد من مجرد جملة عابرة؛ فهو يعيد طرح سؤال عن دور الجوائز الدولية الكبرى في السياسة العالمية: هل يمكن أن تتحول جائزة مثل نوبل للسلام إلى «أداة تفاوض» ورسالة ترغيب للقادة لإنهاء الحروب، أم أن ذلك يفرغها من رمزيتها ويحولها إلى جزء من لعبة المصالح؟
المؤيدون يرون أن لا مشكلة في مكافأة من ينجح فعليًا في وقف حرب دامية، حتى لو كان شخصية مثيرة للجدل، ما دامت النتيجة على الأرض هي إنقاذ الأرواح ووقف الدمار.
أما المعارضون فيخشون أن يصبح معيار نوبل مرتبطًا بما يحققه القادة من «صفقات» على حساب شعوب صغيرة أو مناطق متنازع عليها، بحيث يحصل زعيم قوي على الجائزة بينما يدفع المدنيون ثمن «السلام» في شكل تنازلات مؤلمة.
وهكذا، يظل سؤال نوبل لترامب – كما طرحته ميلوني – جزءًا من معركة أكبر حول من يملك تعريف السلام العادل في أوكرانيا: حلفاء كييف، أم القوى الكبرى، أم الأوكرانيون أنفسهم.










